• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1884 أيام , في الخميس 3 ذي القعدة 1430هـ
الخميس 3 ذي القعدة 1430هـ - 22 اكتوبر 2009م - العدد 15095

ارتبط شعره بصوت فيروز

الشاعر اللبناني جوزيف حرب: قصيدة النثر متخفّفة من كل شيء واسمها خطأ

ثناء عطوي

    فاضت تجربة جوزيف حرب شعراً وأدباً وثقافة، وأسهمت قصائده في ترسيخ النمط الشعري اللبناني المُغنّى. ارتبطت قصائده بصوت السيدة فيروز، وفرة شعره جعلته صاحب أطول قصيدة، وأضخم ديوان شعري في العالم العربي هو "المحبرة". تُشعل أشعاره المساحات الحالمة في النفوس، خصوصاً منها ما غنّته فيروز، "لماع الباب يا حبيبي من تودع"، و"ورقو الأصفر شهر أيلول" و"إسوارة العروس".

"الرياض" التقت جوزيف حرب في هذا الحوار.

- أين وصلت بعد كل هذه الأعمال الشعرية وأين تحدّدت رؤيتك الشعرية فعلياً؟

= دخلت إلى الكتابة من موقع فكري، فكَّرت بالإنسان عموماً وبدأت منه، وكون أدواتي هي أدوات شعرية، فقد حاولت صياغة تفكيري بالإنسان عبر الجمالية الشعرية. هكذا تحوّل الإنسان لدي إلى مشروع شعري. كان يمكن أن أكون روائياً أو باحثاً، لكن المنجز الجمالي قدّمته ضمن خصوصيتي الشعرية. لقد لخَّصت دواويني الخمسة انتماءاتي المتعدّدة، انتمائي الخاص وانتمائي القومي والعالمي والنوعي بمفهوم الجنس والكوني. في أعمالي نظرة شاملة خلفيتها فكرية فلسفية لكن بنيتها الكتابية جمالية شعرية. تحديد رؤيتي الشعرية تواصل من خلال هذا المفتاح الذي التقطته، ودخلت من خلاله إلى عالم آخر يُشكَل النموذج البشري عبر التاريخ واليوم والغد.

- وماذا وجدت؟

= مأزق بشري كبير فلسفي وعلمي وفني . الخُبز يملأ الأرض والجوع أيضاً، يوجد مكان واسع ليكون الناس أحرارا ولا أحد حراً. لا تزال الصراعات في سبيل إشباع الغرائز قائمة على الرغم من مرور آلاف السنين وقيام ما لا يُقدّر من الثورات ومحاولات الإصلاح والمصلحين والفلاسفة والتغييريين. يزداد المأزق البشري حدّة والفكر لا يزال قتيل السلطة وضحيتها. في "مملكة الخبز والورد"، أقدّم تصوراً حول خلاص الإنسان عبر حُكم الروح الشعرية، هذا القائد الذي لم يمارس السلطة ولم يُسمح له بذلك. لقد حكمَت القبلية والقانون والدين والاقتصاد والسلاح العالم، واحدٌ فقط لم يحكم بعد، هو الروح الشعرية، ولو سُمح لها لكانت أكثر قرباً لتلمّس الخلاص من بقية الأنظمة الأخرى، وكانت أكثر وعياً وتقدماً وإنسانية.

- يكتب الشاعر جوزيف حرب بالعامية المحكية وأيضاً بالفصحى مع أيّ منهما بدأت، وأيّ منهما تفضّل ؟

= بدأتُ الكتابة بالفصحى ومارستُ كتابة المحكية بعدها بفترة وجيزة. هناك سرّ حتى الآن لم أفكّر فيه جدّياً لأجد جواباً له، لماذا أكتب بالفصحى أو بالمحكية؟ أجد نفسي قادراً على الكتابة بوجهَي اللغة وبشكل لا تُعطِّل معه الفصحى المحكية لديّ وبالعكس. القصيدة التي أحاول أن أكتبها بالمحكية لا أفكّر فيها بالفصحى والتي أكتبها بالفصحى لا أفكّر فيها بالمحكية، وهذا ضمن إطار مفهوم اللغة وضمن إطار طبيعة الصياغة. البعض كتبوا بالمحكية والفصحى وهم قلّة، من بينهم الشاعر سعيد عقل والشاعر أحمد شوقي وآخرون. وكانت جمالية المحكية لديهم تساوي جمالية الفصحى، ولديهم تداخل في القيمة الجمالية. إن للمحكية قدرة على استيعاب التطور الجمالي للفصحى، ربما لأن المحكية لديها قدرة استيعاب اليومي. اللسان أقرب إلى الروح من اليد، والمحكية تنطلق من الفمّ، وإذا تدخّلت اليد في قيمتها تحوّلت من حالة محكية إلى حالة كتابية. خصوصية المحكية أن أحداً لا يستطيع تقعيدها، أي إيجاد قواعد لها بينما الفصحى لها قواعد في الصرف والنحو.

- نصوصك الشعرية طويلة نسبياً وأنت صاحب أضخم ديوان هو "المحبرة"، ما قصتك مع هذه المطوّلات والأعمال الضخمة؟

= "المحبرة" هو أطول عمل شعري في التاريخ العربي إنه عبارة عن 1750 صفحة، أما "شجرة الأكاسيا" فهي عمل شعري و"مملكة الخبز والورد" هي عمل شعري أيضاً، لكنها كلها ليست مطوّلات. أما بقية الدواوين فهي قصائد ربما لا تتجاوز الصفحة أو الصفحتين. أعتقد أن ما ينقص الشعر العربي ليس المشروع وحسب، وإنّما العمل الشعري المتكامل، وذروته بالنسبة لي هو "المحبرة". إنه اطّلاع شعري على النص الكوني من بدايته إلى نهايته.

- لماذا أهديته للموت وكيف هي علاقتك بهذا القدر المحتّم؟

= أهديته للموت كتحدٍ له، الخلق هو حالة تحدّ للموت ووراء كل تفكير من تفكيرنا يوجد لاوعي اسمه الموت. لدينا هواجس كثيرة حوله وكل شيء نفعله في حياتنا كي لا نموت.

- إلى جانب ضخامة الأعمال تتميّز كتبك بالفخامة ونوعية الورق العالية وغيرها، ألا يُكتب الشعر مثلاً على ورق عادي وضمن أغلفة عادية وأكلاف معقولة؟

= بلى يُكتب على ورق عادي، وأستطيع أن أسامح فيما يتعلق بالورق والأغلفة، لكني لا أستطيع أن أسامح فيما يتعلق بالفضاء الأبيض الذي يُكتب عليه. معروفٌ أن كتبي متقونة فأنا لا أقلب الصفحة لأكمل الجملة الشعرية، بل تنتهي الصفحة عندي بانتهاء المعنى وهذا لا يعرفه أحد. مثلاً إذا ما كانت القصيدة عبارة عن صفحتين، لا أكتب القصيدة على صفحة وأكملها على الثانية، وإنما تُقرأ بمحاذاة بعضها لأنني أحافظ على تواصل الفكرة والمعنى. أشتغل دواويني كلمة كلمة وصفحة صفحة. ليس على القارئ أن يقلب الصفحة ليتابع الجملة في أيّ من قصائدي وهذا بالنسبة لي عمل مرهق.

- غنَّت السيدة فيروز قصائد كثيرة لك وجمعتك بها صداقة وعمل، كيف ترى إلى الأغنيات التي كتبتها لها اليوم؟

= منذ عشرة أعوام لم أسمع أغنية من الأغنيات التي كتبتُها لها ولا يوجد لديّ شريط تسجيل لهذه الأغنيات. عندما أستمع إلى فيروز أستمع إلى الأغاني الأخرى وهي ليست من أغنياتي، لأنني أشعر وكأني أسمع نفسي، وأنا أريد أن أسمع فيروز من دون أن يكون فيها شيء مني.

- هل لأننا نصبح بعد مسافة زمنية أكثر انتقاداً لأعمالنا؟

=لا أنا أعطيت فيروز أعمالاً جميلة، وما يؤكّد جمالها أنها أخذتها وغنّتها. وبالمناسبة أنا أعطيت السيدة فيروز كل النصوص بناء على طلبها، لم أقل لها مرّة واحدة عندي أغنية وأريد منك قراءتها.

- هل هي التي كانت تختار من بين النصوص عملاً محدداً؟

= لا هي تطلب أغنية وأنا أكتبها،لا خيارات في هذا الموضوع، هي فنّانة وأنا شاعر.

- أين هي قوة السيدة فيروز برأيك وأي الأغنيات أعجبتك أكثر من غيرها؟

= أحبّ بعض أعمال الأخوين رحباني وهي جميلة جداً، وبالمناسبة كل ماغنّته فيروز جميل، لكن أجمل ما في صوت فيروز هو المكان الذي لا تغني فيه، وإنما تمُدُّ صوتها. لقد قلت مراراً للفنان زياد الرحباني أن يقدّم لوالدته أعمالاً لا يكون فيها كلام، وإنما يكون صوتها هو الآلة. حاولت أن أعطي زياد فكرة عندما اشتغل على مجموعة ألحان سجّلها كموسيقى في اليونان وأهداها إلى والده عاصي الرحباني من باب التكريم. زياد أضاف صوت فيروز عليها كمدّ، واستعمل الصّوت وكأنه آلة إضافية، أنا أهتم بصوتها الخالي من الكلام أكثر من الصوت الذي فيه كلام.

- لماذا لم تكتب مجدداً للسيدة فيروز هل لأنها لم تعد هي تطلب منك؟

= لا لأنه لم يعد يوجد ملحّن يلحّن ما أكتبه لها.

- لكن هناك أسماء جيدة ومن بينهم الفنان زياد الرحباني؟

=أجمل ألحان زياد اكتملت بما كتبه هو.

- ماذا يعني لشاعر مثلك أن تغني فنانة كبيرة مثل السيدة فيروز قصائده؟

= أنا واقع في مشكلة، فمن لا يحبني يعتبر أنه لولا فيروز لما كنت معروفاً، وأنا شخصياً إذا كنت مخيّراً بين الأغاني التي غنّتها فيروز وبين دواويني، سأختار دواويني من دون أن ألغي قيمة ما غنّته فيروز. أنا منحاز لدواويني، عملي الخاص الذي توجد عليه بصمتي الخاصة وحدي هو ما يهمّني. أنا لست الأخوين رحباني، عاصي نسي شخصاً اسمه منصور، والأخير فعل الأمر نفسه، وأصبح الإثنان يندهان لبعضهما الأخوين رحباني. ضمن إطار خصوصيتي الذاتية كإنسان مبدع، أميل لدواويني أكثر مما أميل لأغاني السيدة فيروز.

- ربما ساعدتك السيدة فيروز كي يصل شعرك أسرع إلى وجدان الناس؟

= أحمد شوقي ساعد عبد الوهاب، نزار قباني ساعده أشخاص أيضاً. كثيرون اليوم لا يعرفون أن هذه الأغنية هي لجوزيف حرب، لأن المنتجين ما عادوا يكتبون اسم المؤلف والملحّن على أشرطة التسجيل. لهذا السبب لا يعني لي كثيراً هذه المحو، مثلما لا يعني لي هذا الإثبات أيضاً، لكن ديواني يعني لي الكثير. لقد بدأت شاعراً عبر دواويني ولديّ مشروعي الشعري. جاء موضوع غناء السيدة فيروز لقصائدي جانبياً،أعتبر ذلك أمراً جميلاً جداً حصل في حياتي لكنه ليس الأساس.

- هل هناك مشروع أغنية جديدة بينك وبين السيدة فيروز؟

=لا يوجد، وليس لدي الرغبة.

- المرأة في حياة جوزيف حرب أين هي؟

=أنا ككلّ الرجال أُحبّ وأُعبِّر عما أشعر به، أنا محكوم بشيء من الخجل والرهبة من أن أخطئ مع المرأة. المرأة لا تقابل الرجل إلا بشيء أجمل، وهي لا تستحقّ إلا أن نقدّم لها الأجمل. لديها جوع تاريخي إلى الإحساس بالطمأنينة والحرية الداخلية وحرية الخيارات.

- تتداول الأوساط الثقافية والصحافية في لبنان اسمك كمرشح لمنصب وزير الثقافة، هل أنت مستعد لهذا الموقع؟

= السؤال المطروح هو هل توجد وزارة ثقافة أصلاً في لبنان، لقد اقتطعوا جزءاً من صلاحيات وزارتي الإعلام والتربية ودمجوهما وخلقوا ما سمي بوزارة ثقافة. لا يوجد مسرح ولا متحف للفن التشكيلي ولا دار للأوبرا، لم يعد يوجد أي بيت لكاتب لبناني، وأيّ فنان لبناني لا يموت إلا مذلولاً. كل بيوت الفنانين ينبغي أن تتحوّل إلى متاحف، خصوصاً وأن عددهم ليس كبيراً. دعم المؤسسات الثقافية غائب كلياً، وهذا من مسؤولية القطاع العام وليس الخاص، وإذا كنا نفتقد الدعم فذلك لأن كل البلد في يد القطاع الخاص. دار الأوبرا لا تبنيها مؤسّسات خاصة ولا المسرح أيضاً، مشكلتنا الكبيرة أننا بلد إشعاع ونور وقطاع خاص. أنا أعتقد أن تجسيد هذا الشعاع يكون بوزارة ثقافة تملك موازنة عالية تمكّنها من إنجاز الكثير من الأمور.

- دائماً أنت غاضب من الحالة التي وصل إليها الشعر وعلاقتك متوترة بشعراء قصيدة النثر، ما رأيك بهذه القصيدة وشعرائها؟

= هناك خطأ في التسمية، وهذا الخطأ اعترف به من أوجد عبارة قصيدة النثر، والخطأ لا يُصحّح بخطأ. هناك حسّ شعري يُكتب بلغة النثر، تبدأ قيمته من خلال محافظته على بعض العناصر التي يتشكّل منها الشعر تاريخياً. ما يُسمى شعر نثر مُتخفف من الوزن وهذا صحيح، لكنه لا يستطيع أن يتخفّف من كل شيء. قصيدة النثر اليوم متخفّفة من كل شيء واسمها خطأ، لقد أسميتها منذ ثلاثين سنة "نثيرة" مقابل قصيدة. أعتقد أن قصيدة النثر هي نصّ فني يحتاج إلى إعادة النظر في تسميته. لقد أراد أصحاب هذا النوع من الكتابة أن يثبتوا هذا النص على قاعدة إلغاء النص الشعري الآخر. لم يتركوا للإثنين الفضاء الذي يتّسع لأجنحة الابداع الفني. لقد فتحوا المعركة على أساس أن الشعر العربي بدأ بقصيدة النثر، علماً أن هذه القصيدة لها جذور في التراث العربي أبعد من جذورها في بقية اللغات. أنا رفضت حملتهم العرقية والعنصرية، هم اعتبروا أن كل ما هو آت من الغرب له الوجه الحضاري الذي ينبغي أن ننتمي إليه، وأنا وقفت ضدهم لأنني ابن تراث، ولأن طرحهم إلغائي للآخر يتعاطى مع التراث بالممحاة، ولأنني ضد التسمية من أساسها.


جوزيف حرب

- ما هي الحالة التي وصل إليها الشعر؟

= لا أحد يمكنه أن يطلب من الشعر الاستقالة من الهمّ البشري، الشعراء قدّموا استقالتهم اليوم من الإنسان. أفهم أن التطور الذي وصل إليه النص الشعري في الغرب هو تطور طبيعي، لكن أن ينتقل هذا النص من الغرب إلى هنا ونمارسه تلقائياً، فهذا أمر غير طبيعي. في أوروبا لم يعد هناك قصيدة وطنية المفهوم القومي الوطني ومفهوم ما يسمى الصراع على الأرض والسيادة والحرية لم يعد موجوداً في أوروبا، لكن هذا لا يعني أن تغيب هذه الأمور عندنا. الشعر في الغرب لم يقدّم استقالته إلا عندما انتهت أسباب وجوده، وهي أسباب لم تنته عندنا، وبالتالي لا يستطيع الشعر أن ينسحب منها، وستبقى قيمته الفنية بعد انتهاء هذه الأوضاع أطول عمراً من الأمور التي عبَّر عنها. أنا أكتب اليوم نصاً عن بندقية المقاومة، غداً ستنتهي هذه البندقية لكن ينبغي أن تكون لنصي القدرة على الاستمرارية.

- لعلَّ شعراؤنا يبحثون عن الجمال وعن قضايا أخرى ليكتبوا عنها؟

= الشاعر الكبير ناظم حكمت قال لحبيبته اشتريت لك باقة ورد في طريق العودة، وعندما التقيت بأصحابي وكانوا جائعين، بعنا باقة الورد واشترينا بثمنها خبزاّ. هكذا تصبح الأمور مستقرة في أماكنها، وهذه قيمة الشعر..

- لمن تقرأ ومن يعجبك من الشعراء؟

= أقرأ للجميع وأشتري كتباً للجميع، أفتّش عن الشعراء الجدد، سئمت من قراءة الشعراء الذين يعتبرون أنفسهم كباراً وهم لا جديد لهم.

- هل وجدت بين الشعراء الجدد مواهب؟

= أنا أفتّش على اعتبار أن الشعر غير محكوم بالإرث ولا بالوراثة. لا بدّ من أن يأتي زمن يحمل معه مجموعة من الشعراء يفتحون لنا آفاقاً جديدة في الشعر، لكن لسوء الحظ أن الشعراء الجدد مقموعون من قبل الذين نشأوا على أيديهم. لقد خسروا الحسّ الثوري في داخلهم، وقبلوا بهذا الحس القمعي. لدى أدونيس مجموعة من هؤلاء الشباب، ولدى أنسي الحاج أتباع أيضاً، ولدى سعيد عقل مثلهم. إنهم لا يساعدون الشباب ليفردوا أجنحتهم ويحلقوا، بل يستدعونهم ليقلدوهم.

- لكن لا أحد منا إلا وتأثّر بأحد ما ونحن نتأثّر عادة بمن نحب وليست هذه تهمة؟

= هذه مرحلة فقط وجدت للتجاوز، إذا وجدتُ شيئاً مني عند الآخر فهذا جيد، لكني ذهبت إلى هذا الآخر في الأساس لأفتش عن نفسي وليس لأكرره. مع الوقت لا يفترض بي أن أقف ضدّه، وإنما أعترف بالمرحلة التي اندمجت معه فيها، وأعترف بتأثري فيه وبقيمته الكبيرة، لكن ينبغي أن أجد مكاناً لي ضمن فضائي الخاص، وهذا لم يفعله أحد، وما من شاعر ساعد أحداً من الشعراء الجدد ليفعل ذلك. أنا خائف أن نخسر مرحلة من الشعر، المسؤول عن خنقها من يريد أن يأخذ هواء أكثر مما تحتاج رئتاه.

- هل أنت عائد في الدورة القادمة لرئاسة اتحاد الكتاب الذي تبوأت رئاسته لدورتين؟

= أفضّل أن أبقى بعيداً عن الشللية والأجواء التي تحيط بهذا الموقع. اتحاد الكتّاب في لبنان هو اتحاد لا يملك عصباً، ولا ضمانات صحية واجتماعية ولا موازنة مالية لأنشطته ولا مركز حتى. وعلى الرغم من ذلك، لعله الاتحاد الوحيد المؤهّل من بين كل اتحادات الكتّاب العربية أن يبقى ويستمر، لأن الدولة لا تملكه ولا تقرر مصيره الفكري. كل الاتحادات العربية مرتبطة بأنظمة دولها، ما عدا اتحاد الكتاب اللبناني، وخسارة كبيرة إذا لم يُفعَّل مالياً ومعنوياً. أنا لم أتمكن خلال فترة رئاستي للاتحاد أن أغيّر الكثير، لكني قمت بأمر محدّد اعتبرته إنجازاً واحترمت نفسي عليه، وهو رفض استقالة أحد تقديراً مني لهؤلاء الكبار.

- أين جوزيف حرب اليوم ماذا يفعل وهل أنت راضٍ عن كل هذه التجربة والأعمال؟

= أنا متفرّغ اليوم إلى حد ما لكتابة الشعر. صدر لي ديوانان هذا العام واحد بالفصحى وآخر بالمحكية عن دار رياض الريس في بيروت. أما بالنسبة لتقييم تاريخ كتابتي الشعرية أعتقد أنني كنت قليل العتمة. ولا مرة خرجت من نص قبل أن يكون لديّ إحساس بالرضا الفني. على كاتب النص أن يتمتع بناقد مهم جداً وشرس جداً في داخله يناقشه بالنص يراقب ما هو قليل القيمة الجمالية لإلغائه. من بين الأمور التي أحترمها في نفسي وجود هذا الناقد بداخلي.

- لديك كمّ كبير من الكتب ألا تخاف أن تكرّر نفسك والأمثلة كثيرة على شعراء وقعوا في التكرار مثل نزار قباني وحتى أدونيس وآخرين؟

= في الإطار العام لا أخاف لأني أعيه تماماً، في مرّات كثيرة يحصل نوع من التكرار في جزء من الأفكار أو الصور، فتعود الصورة نفسها وإنما بصياغة مختلفة. أحيانا إذا ما اكتشفتها أتركها لأنها تكون على مستوى الصياغة أجمل. أما بالنسبة لأدونيس أعتقد أنه كان ينبغي عليه أن يُبطئ من إنتاجه لا أن يتوقف، أن يبطئ وينتخب منذ خمس أو ست سنوات. ليس منطقياً أن يطبع الشاعر كل ما يكتبه، فهناك قسم كتبه أدونيس الصحافي ويلزمه مكافأة عليه، الرجل يعيش من قلمه وله الحق لكن هذا لا يعني أن يطبع كل ما يُكتب.

كتبت بغزارة نصوصاً للإذاعة والتلفزيون، لماذا لم تعد تكتب أعمالاً مماثلة؟

لأننا افتقدنا القيمة الإنتاجية وافتقدنا الأسماء المهمة. أرفض أن أرمي نفسي بين أسماء أقل مستوى. لقد حصل تقلص للقيمة الإنتاجية مادياً، حلقة من حلقات "رماد وملح" مثلاً كانت تصل كلفتها إلى خمسة وعشرين ألف دولار، اليوم يريدونها بألفي دولار وهذا لم يعد يناسبني.


فيروز



عفواً هذه الخدمة متاحة للأعضاء فقط... يرجى تسجيل الدخول أو اضغط هنا للتسجيل
احصل على رابط الخبر عبر رمز الإستجابة السريع QRcode




مختارات من الأرشيف