فاز الرئيس الأمريكي باراك أوباما بجائزة نوبل للسلام يوم الجمعة الموافق 9 أكتوبر من هذا العام. وربما كان أول المتفاجئين بهذا الخبر هو أوباما نفسه، حيث قال: "إنني متفاجئ جدًا ولكن زادتني هذه الجائزة تواضعًا". وأضاف: "إني لا أشعر أني أستحق أن أكون من ضمن من تشرّفوا بهذه الجائزة". وذكر أنه سوف يأخذ من هذه الجائزة تحفيزًا له لمزيد من العمل السلمي. وقد صرح المتحدث باسم البيت الأبيض بأن الرئيس يعتبر هذه الجائزة تقديرًا للأهداف الذي وضعها للولايات المتحدة الأمريكية وليس اعترافًا شخصيًا بأفعاله.

ورغم أن تصريحات الرئيس الأمريكي ليس فيها اعتداد بالذات أو تبجح بشيء فعله إلا أن هناك من يرى أن أوباما لم يكن يستحق هذه الجائزة أبدًا، ويعتقدون أنه أخذها لأنه فقط رئيس أمريكي مميز، وبوصفه أول رئيس أمريكي من عرق أسود ويمتلك ثقافة أجنبية. وهذا يفسر أنه رغم دعم أوباما لقنوات النقاش مع العالم الإسلامي والعربي وتعزيزه للأمل تجاه المستقبل إلا أن تقدير العرب لما يفعل لازال حتى الآن ليس في المستوى الذي يؤهلهم لكي يفرحوا بهذا الخبر، لأنهم ينتظرون منه مزيدًا من الحزم تجاه إسرائيل، والكثير من المواقف والأفعال والإنجازات السلمية التي تعزّز الثقة بين العالم العربي والإسلامي من جهة، وأمريكا من جهة أخرى بعد ما لحق المنطقة من حروب وتهديدات أمنية. وهذا مايدفع البعض لكي يروا أن كلمات أوباما الجميلة ونواياه الحسنة ومشروعاته المستقبلية لاتكفي لكي يفوز بهذه الجائزة، لأن الحكم يجب أن يعتمد على الأفعال وليس على أساس النوايا والخطط المستقبلية.

ومن ضمن التصريحات الرسمية التي أدلى بها المسؤولون حول العالم، قال وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك لراديو الجيش الإسرائيلي إنه يعتقد أن الجائزة ستعزّز قدرة أوباما على المساهمة في تحقيق سلام إقليمي في الشرق الأوسط، وأن ذلك بلاشك سوف يجلب الأمن والرخاء والنمو لجميع شعوب المنطقة. أما إساعيل هنية رئيس حماس فقد ذكر أنه يعتقد أن الجائزة ستكون عديمة الجدوى ما لم يحدث تغيير حقيقي وعميق في السياسة الأمريكية حيال الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.

والحقيقة أن التباين واضح بين التصريح الإسرائيلي الذي يبدو أنه يحتفي بفوز أوباما وبين التصريح الفلسطيني الذي لايرى للأمر أهمية، بل يشكك في مصداقيته وجدواه. وليس المهم هنا شرح سبب هذا الاختلاف؛ فمشكلات العرب مع اليهود في إسرائيل تتعدّى الأهداف السياسية، وهذا ما يجعل الصراع بين الطرفين قائما على أصعدة ومستويات كثيرة بعضها ظاهر وبعضها خفي. ولكن المهم هنا، هو أن إسرائيل مرة أخرى كسبت جولة إعلامية أمام العالم وأمام أوباما الذي وجد أن المسؤولين في إسرائيل أكثر تفاعلا وإيجابية من المسؤولين الفلسطينيين. والحقيقة أن ردة الفعل السلبية أو المشككة لم تكن لدى حماس فحسب، بل عند بعض العرب والمسلمين، فعلى سبيل المثال، في باكستان، قال لياقة بلوخ العضو البارز في حزب الجماعة الإسلامية الديني المحافظ: "إنها مزحة، كم يثير الأمر من حرج بالنسبة لمن منحوه الجائزة لأنه لم يفعل شيئاً للسلام، ما التغيير الذي حققه في العراق أو الشرق الأوسط أو أفغانستان؟".

وقد يكون هذا التناقض بين ردة فعل بعض العرب وبين سبب فوز أوباما بالجائزة مثيرًا للجدل من جهة، وللطرافة من جهة أخرى؛ فهيئة جائزة نوبل وجدت أن مجهودات الرئيس الأمريكي في المنطقة العربية والإسلامية كانت "غير عادية" لدعم السلام وتعزيز الحوار بين الثقافات والأديان. ومع هذا فإن بعض سكان المنطقة لايرون ذلك.

ومن يتذكر ردة الفعل المتباينة تجاه خطاب أوباما في القاهرة سيفهم أن الاستقبال السلبي للمجهودات الإيجابية من الطرف الآخر هو أمر أصبح روتينيًا؛ فالعرب لايثقون بسرعة، وقد يبررون لأنفسهم أن ذلك بسبب ماعاشوه من خيبات أمل وويلات حروب وغير ذلك. ولكن الأمر ربما يتعدى ذلك إلى كونهم لايشعرون أن الانتصار هو في تحقيق بعض مايريدون، بل يريدون كل شيء. ذلك أن عقلية "كل شيء أو لاشيء" تسلب الفرد أن يفرح بالنجاحات مهما كان عظمها وكثرتها لأن كل شيء لم يحصل. وهذه النظرة غير الواقعية تجعل البعض يستغلون هذه الأمور في سلب الآخرين أي روح أو نية لمساعدة الأهداف العربية وحماية مصالحهم، لأن العرب في النهاية لن يرضوا أبدًا.

والحقيقة أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما تبنى رؤية تفاؤلية منذ بداية ترشيحه لنفسه وطوال مدة رئاسته التي لم تتجاوز التسعة أشهر، وكان هدفه الأكثر أهمية هو إعادة الحياة للعلاقات الأمريكية - الإسلامية والعربية. يقول ثوربيورن ياقلاند رئيس لجنة جائزة نوبل: "نادر للغاية أن يأتي شخص مثل أوباما ويجذب انتباه العالم بهذا الشكل، ويعطي الناس الأمل لمستقبل أفضل". إن تأثير أوباما ليس على المستوى العالمي سياسيًا، بل كذلك هو تأثير اجتماعي؛ فقد قلت نسبة الطلاق في العوائل الأفريقية خصوصًا في أمريكا، وذكر الكثير من الأزواج أنهم يشعرون بالأمل في بناء سعادتهم لأن أوباما وزوجته ميشيل هما مثال وقدوة جميلة كانوا يبحثون عنها.

ومن الجدير ذكره أن أوباما قرر التبرع بقيمة الجائزة المادية التي تمنحها نوبل وهي 1.4 مليون دولار، وهذا أمر يشرح للعالم نبل هذا الرجل وترفعه عن البحث عن المكاسب الذاتية.

ويبدو أن الكثيرين حول العالم باستثناء العرب والمسلمين مجمعون بأن أوباما رجل يبشر بالخير، ونجح في بناء الأمل لاسترجاع الأحلام الضائعة في مستقبل أكثر سلمًا ورفاهية. فمتى يجد العرب بعض الجرأة في دعم التغيير وتقبله ولو أنه ليس على الصورة التي يرغبون بها فقد يكون ذلك بداية لتحقيق "كل" مايريدون؟