الدخول في شبكة العلاقات العربية يحتاج لشخص يملك حس المسؤولية الكاملة أي يكون صاحب قلب مفتوح، صبوراً، غير انفعالي، صادقاً غير مراوغ، يرى الأشياء بمنظارها الحقيقي و في الوقت نفسه يكون مستقل الرأي بعيداً عن الانحياز لأي طرف يناور أو يناوئ الآخر..

الملك عبدالله لم يحصر جهده على داخل بلده، وهو الذي يحتاج لكل وقته بإخراجه إلى عالم البحث والتنمية، والثقافة وتوسيع دوائر التعليم لكل مواطن ومواطنة، وإنما ربط نفسه بمسئوليات كبيرة عربية وإسلامية ودولية لشعوره أن ارتباط بلده بهذه الهموم لا يفصل الداخل عن الخارج، وكان يستطيع استعمال قانون الصمت ليعيش سليماً معافى من أي ورطة تكلفه الأشياء الكثيرة، ويركز على مطالب وطنه ويبعد عن أي لوم أو تكاليف مادية ومعنوية..

لم يكبل بلده في نطاق الغرب رغم الصداقة التاريخية، والتقليدية، بل ذهب لروسيا والصين، وتعاون بشكل مطلق مع دول آسيا، وعمل على فتح نوافذ مع أمريكا اللاتينية وعاون وتعاون مع أفريقيا، باعتبار أن العالم لا تقسمه الأيدلوجيا أو الجغرافيا، بل قد تكون الهند من منظور إسلامي أهم من دولة أوروبية، ومع ذلك تساوت لديه مبادئ العلاقات الدولية المفتوحة، وهو منطق عصري يتجاوز الحساسيات القديمة ويفترض توسيع المساحات السياسية والجغرافية والإنسانية..

ثم حين دعا إلى حوار إسلامي معتدل، وآخر مفتوح على الحضارات والأديان وذهب إلى القلعة المسيحية (الكاثولوكية) في الفاتيكان ليزور البابا، كان يريد إزالة عوالق التاريخ وحروب الأديان، وحين وقف كشاهد للتاريخ في محاربة الفقر والحروب والدعوة للسلام لم ينطلق من مبدأ المبشر، أو الضعيف، وإنما من خلق الرجل الذي يريد حماية كرامة كل إنسان ودين ومجتمع وتساوي الأجناس والحقوق، ثابت على دينه ومعتقده، ولكنه منفتح على الثقافات والعلوم، ويرى بالتطور أنه حق طبيعي لكل أمة، وعندما شيد الجامعات، وسارع بأن تكون المعرفة أحد أهم أساسيات نهضة بلده بأن أسس أحدث وأهم جامعة في المنطقة وفق أحدث الأسس، كانت غايته إزالة الفجوة العلمية مع شعوب العالم المتطور، والحاجة إلى البحث في الطاقة ونقص المياه، والتلوث والعلوم الطبية والهندسية، أي دخول حلبة السباق بأسلحة العقل والمعرفة والتطور التقني والعلمي..

إعادة تشكيل وطن بمواصفات عصرية، معركة غير عادية، وامتلاك اللحظة بعمل جدي، يعد ثورة في العقل والسلوك، لأن عائد الزمن يحكم باستثماره لا إهداره، وقد أضاعت الأمة العربية والعالم الإسلامي عدة قرون وهما يدوران في الفراغ والتخلف بما فيه الأمية الثقافية وحبوس التاريخ، في وقت ولدت شعوب من العدم وقطعت السنة الضوئية بأقل الأزمنة، وكان لا بد من أن يكون الملك عبدالله قائد هذه المرحلة بتحدياتها وتعقيداتها، وقد رضي لنفسه أن يتحمل المسؤولية بكفاءة المخطط والمشرف على التنفيذ، ومع ذلك لم يحصر نفسه بحدود بلده بل كان العربي والمسلم والإنسان الشمولي في كل المواقع..