ثلاث مناسبات في أسبوع واحد، عيد الفطر المبارك، واليوم الوطني، وافتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وعندما نحتفل بهذه المناسبات، فإننا نقف على حدود وضعنا، كيف كنا، وكيف أصبحنا، حتى إن العيد الذي اختلفت مظاهره وشخوصه بانقلابات فرَض إيقاعها الزمن، جعلنا، على الطرف الآخر ننظر إلى وضع آخر عندما جاء رجل عظيم باستلهامه التاريخ، وإعادة مُلك الأجداد، فكان أن وجدت الأجيال المتلاحقة أن المؤسس كان يسبق المستقبل في رؤيته، وحجم ما يعمل..

فتوحيد المملكة يُعد قفزة غير مسبوقة، ووجود البطل القائد أهم الشروط في بناء الدولة، لكن كيف يستطيع تمرير مشروعه في بيئة فاقدة أهم مقومات الدعم الاقتصادي أولاً، والبنية الاجتماعية تتصارع على موارد المياه، والرعي ، ويبقى استقرارها وقْفاً على منّة السماء إذا جادت بالمطر، ثم هناك الأمية الضاربة ، وتقاطع المواصلات والانقسام داخل القبيلة والواحة، وشبه المدينة، وفي هذه الأجواء المضطربة، يخرج الملك عبدالعزيز رحمه الله ليقتحم المستحيل، ويجعل التاريخ يلاحقه بدلاً من أن يجري هو وراءه، وهي صورة أخاذة لفعل اختزل الأزمنة بولادة دولة جديدة وسط ظلام سد أفق أرضنا وما حولها..

وبين المتخيّل، والمستقبل، حالة في قفزة التاريخ، وقد تحقق المتخيل من خلال اقتران العزيمة بالمهمة الكبيرة، واستطاع الملك عبدالعزيز أن يضع أولى لبنات الدولة بفتح الرياض، وهو ما اعتُبر إعلان ولادة بطل، فكانت الرياح تهب على المدن والقرى والقبائل مبشرة بوجود المنقذ من السطو والحروب وفقدان الأمن، وبالفعل كان للحدث دويّه الداخلي، لينتقل للعالم الخارجي، وخاصة في تلك الظروف الدولية، التي اصطدمت بحربين كونيتين، وظهور معالم قوى كبرى تزيل ما قبلها، واستطاع الملك عبدالعزيز بحسه المشرق أن يدرك هذا المتغير العالمي ليستشرف، بنظرته المتقدمة، أن أمريكا، والاتحاد السوفياتي هما من سيحددان مسار العالم القادم، فكانت أمريكا هي الخيار بالصداقة، ثم كانت المعجزة في اكتشاف النفط الذي أرّخ لمرحلة أخرى في سباق التتابع لآلاف الأميال..

ثم توارث الأبناء الأربعة الملوك مسيرة الطريق الطويل، فكان التأسيس للإدارة والمدينة، في عهد الملك سعود، وخوض معركة التحديث ومواجهة أصعب الظروف في المنطقة في عهد الملك فيصل، ثم مشهد الطفرة الاقتصادية الأولى في عهد الملك خالد، فخوض معركة التنمية ومواجهة نزعة حروب الخليج، في عهد الملك فهد..

الملك عبدالله جاء في زمن أكبر التحديات العالمية عندما طوت التكنولوجيا عصور الصناعات التقليدية والحروب الكبرى، إلى الصعود بالإنسان إلى سوابق لم تحدث طيلة القرنين الماضيين، وهنا جاء التحدي في سباق الزمن لتكون المهمة الأولى خلق بناء متكامل اقتصادي، واجتماعي، وتربوي، وصحي، فأسس أكبر مشروع في تاريخ المملكة لبنية جديدة، لأن تجارب الشعوب والأمم أثبتت أن الاعتماد على مصدر واحد يصعّب خلق مستقبل آمن، فكان الاتجاه للتعليم أهم وأكبر الخطى لأن بناء إنسان بمعرفةٍ معاصرةٍ يُعد المشروع المتكامل، وهو ما أقام أُسسه الملك عبدالله وبأقصر الطرق، وأكبرها..