شعرت قريش بشيء غريب، فمكة لم تعد كما كانت.. أصبحت ساكنة.. وشوارعها بدت موحشة، والكثير من البيوتات أمسى فارغاً لاتسكنه سوى الريح، على العكس من ذلك تتلألأ أرض الأنصار، فمعظم أهلها يشعون نظافة ونشاطاً وحيوية.. بدؤوا يمارسون القراءة ليل نهار، ونظمت الصلاة أوقاتهم وهذبت أخلاقهم، فأصبحوا أول شعوب الدنيا نظاماً وأكثرها نظافة، لم يسبق أن حرص شعب على طهارة ملابسه الداخلية حرصه على طهارة الخارجية مثلهم.. بدؤوا ينسون ثاراتهم والحديث عما يفرقهم، وانشغلوا بما يجمعهم ويمنعهم من الاعتداء والبغي، بدأت الأصنام بالتلاشي من البيوت باقتناع ودون عنف أو إكراه.. فأمست وقودا تحت قدورهم، وأصبحت القلوب والبيوت أماكن احتفال بالمعلم (مصعب بن عمير) ذلك الفتى المدلل الذي كان بالأمس يتبختر دلالا في شوارع مكة، ولما علمت أمه الوثنية الثرية بإسلامه حرمته من كل شيء حتى من قطعة قماش. لكن أناقته الآن ليست أكبر همه، إنه مشغول عنها بالعقول والقلوب.. يضيء شوارع الأنصار وقلوبها وعقولها بقرآن يزين صدره، حتى كثر المستنيرون به، فزاد شوقهم وتحرقهم للقاء نبيهم، وزاد خوفهم عليه، فعقد سبعون منهم اجتماعا قرروا فيه دعوته إلى الهجرة، ومغادرة مكة التي أمست خطرة، وخطرة للغاية.

يقول أحدهم: (ائتمرنا واجتمعنا سبعون رجلا منا، فقلنا: حتى متى نذر رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف؟ فدخلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة -السيرة كما جاءت في الأحاديث الصحيحة) فجاء عليه السلام حسب الموعد، وبرفقته عمه العباس الذي جاء كشاهد (فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث. فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومه لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة -السابق) فنهضوا للبيعة، لكن أنصاريا عظيما اسمه أسعد بن زرارة رضي الله عنه أراد التأكد من قدرتهم على النهوض بالأمانة وتحمل المسؤولية (فقال: رويدا يا أهل يثرب.. إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فأما أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مستكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافة، فخذوه وأجركم على الله عز وجل، وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر عند الله؟ -السابق)

كلمات ابن زرارة تفضح أشياء كثيرة، فقد قالها قبل الهجرة، وقبل أن يفرض الجهاد، وفي زمن لم يطلب فيه النبي من قريش سوى كلمة (لا إله إلاالله)، كلمات تفضح حجم المصادرة للرأي لدى الوثنيين، وشراسة تعاملهم مع المخالف، وأنهم سيشنون حربا شعواء ضدهم، وهذا يعني أن الوضع في يثرب لن يكون أفضل منه في مكة، لكن الأنصار هم الأبرار رضي الله عنهم، لن يتراجعوا مهما كانت الأسباب، فهتفوا: (يا أسعد بن زرارة.. أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها. يقول جابر: فقمنا إليه رجلا رجلا يأخذ علينا بشرطه العباس، ويعطينا على ذلك الجنة - السابق) تلك هي (بيعة العقبة الثانية) وبعدها أمر عليه السلام بقية أصحابه بالمغادرة، فتهيأ أبو بكر للهجرة، فأبقاه النبي كي يكون رفيقه، فاشترى أبو بكر ناقتين وغذاهما جيدا، ثم قام بتوظيف أفراد أسرته كلهم كي يكونوا جزءا من خطة الهجرة إلى أرض التسامح وجنة النخيل والأنصار.