عاد عليه الصلاة والسلام من الطائف حزينا، فوصل إلى مكة وسط شماتة قريش، لتستقبله بناته بالدموع وكأن أعينهن تجدد أحزانه وهمومه.. كأن تلك النظرات تقول: خديجة ليست هنا يا أبي.. ليست هنا، ورقية بعيدة طريدة في الحبشة.. وأصحابك خائفون تلاحقهم السياط والشتائم..

هموم لا يزيحها سوى هذا العزاء الذي تتلاشى معه كل هموم الدنيا ومصائبها ومصاعبها.. عزاء ليلة ليست كالليالي، هبط جبريل عليه السلام ومعه دابة يقال لها (البراق)، ركبها عليه السلام فحملته إلى بيت المقدس في دقائق، ثم أخذه جبريل في رحلة المعراج عبر السماوات، فشاهد ما ثبت فؤاده وأزاح همومه، وفي رحلته فرضت عليه الصلوات الخمس، ثم عاد في الليلة نفسها، وفي الصباح أخبر قومه بالإسراء (فقالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم. فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً للكذب قالوا: وهل تستطيع أن تنعت (تصف) لنا المسجد...؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذهبت أنعت، فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، فجيء بالمسجد وأنا أنظر حتى وضع دون دار عقيل، فنعته وأنا أنظر إليه. فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب - السيرة كما جاءت في الأحاديث الصحيحة)

لكن قريشا ستعاند ولو أحضر لها بيت المقدس. رفضت القرآن الذي لايشبه كلام البشر، ولايشبه تلك الكتب التي يرونها بين أيدي أهل الكتاب، فالتوراة تقول: ولد موسى رضع موسى جاء موسى أكل موسى مات موسى دفن موسى، والإنجيل يقول: ولد عيسى ذهب عيسى شرب عيسى طورد عيسى صعد عيسى، أما القرآن فليس فيه شيء من ذلك. من يقرأه بعقله وقلبه يدرك أن المتحدث ليس محمدا.. يشعر القارىء أنه كلام الله، أما محمد فمجرد متلق.. مبلّغ.. فقط رسول عليه الصلاة والسلام.. فالقرآن يخاطبه.. يأمره.. ينهاه.. يحذره.. يبشره.. بل يعاتبه ويهدده أحيانا. يقول له: اقرأ.. قل.. ياأيها المزمل.. ياأيها النبي اتق الله ولاتطع الكافرين..

وهو ليس بالشعر، فالشعر الجاهلي ميزته ليست فيما يقوله، لأن كل مايقوله معلوم، ميزته في طريقة التعبير.. أما القرآن فغير ذلك تماما، القرآن يقول أشياء جديدة، ويأمر بأشياء جديدة، ويصحح معلومات مغلوطة، ويقدم معلومات شهد لها العلم الحديث، وآمن بها علماء تجريبيون كفروا بكتبهم المقدسة، أما أسلوبه فجديد كل الجدة على البشر، ومعجز عند نقاد النثر والشعر.. فما الذي تريده قريش؟ إنها تناكف محمدا بمطالب صبيانية، فذات يوم طلبوا (أن يريهم آية فأراهم القمر شقين -البخاري) ثم ماذا؟ قالوا: ساحر. ما الذي يقنع المعاند؟ لا شيء، فالعناد كالإلحاد، مجرد رفض ونفي خارج العقل والتفكير، لا يكلف صاحبه سوى كلمتين: أنا لاأصدق، والقرآن يدون مطالب قريش الصبيانية فيقول:

(وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) أوتسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أوتأتي بالله والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه)

لكن القرآن يأمره عليه السلام أن يرد على تلك المناكفات بجملة واحدة: (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ( 93) هذا هو حجر الزاوية: القرآن كلام الله، ومحمد مجرد مبلغ، ومن أراد أن يركب رأسه ويلحق بأبي جهل فهو حر، ولكن ليتحمل نتائج عناده غداً، فالموت قادم والبعث قادم أيضاً، حقيقة لا تكتفي قريش بإنكارها، بل تستخدم الإرهاب والسحل والقتل لترغم الناس على الكفر بها.