مدخل

اشتهر العرب في جزيرتهم بمعارف لم يشتهر بها غيرهم بسبب خاصية بلادهم القاحلة وطبيعتها القاسية ،من هذه المعارف معرفة الجهات ودلالة المسالك والطرقات في الصحراء المترامية الأطراف ، بل إن الألوسي في بلوغ الأرب 3/344 جعل هذه المعرفة علماً أسماه (علم الاهتداء في البراري) وقال:" هو علم يتعرف به أحوال الأمكنة من غير دلالة عليه بالأمارات المحسوسة ...لا يعرفها إلا من تدرب فيها كالاستدلال برائحة التراب ،ومسامته الكواكب الثابتة ،ومنازل القمر،إذ لكل بقعة رائحة مخصوصة ولكل كوكب سمت يهتدى به كما قال الله تعالى:(وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) ونفع هذا العلم عظيم بيّن وإلا لهلكت القوافل وضلت الجيوش فضاعت في البراري والقفار". ولاشك أن لهذا العلم دورا كبيرا عند المسلمين وخاصة في معرفة اتجاه القبلة عند الصلاة .

وتضرب العرب قديماً وحديثاً المثل بالقطا فيقال (أهدى من القطا) أو (أدل من قطاة) وذلك أن هذا الطائر يترك أفراخه في الصحراء ثم يرد الماء في أي موضع منها مهما كان بعده ثم يعود لأفراخه مرة أخرى قال تركي بن حميد :

عليه قرمٍ لا أظلم الليل ما أنغط

أدل من فرق القطا صوب خابور

ويسمى الدليلُ الحاذقُ بالدلالة (الخِرِّيت) ؛ قال رؤْبة بن العجاج:

أرْمي بأَيْدي العِيسِ إِذ هَوِيتُ

في بَلْدةٍ، يَعْيا بها الخِرِّيتُ

وفي حديث الهجرة: فاستَأْجَرَ رَجُلاً، من بني الدِّيلِ، هادياً خِرِّيتاً فالخِرِّيتُ: الماهر الذي يَهْتَدي لأَخْراتِ المَفاوِزِ، وهي طُرُقُها الخفية ومَضايقُها؛ وقيل: أَراد أَنه يَهْتَدي في مثل ثَقْبِ الإِبرة من الطريق. ويقال دليلٌ خِرِّيتٌ بِرّيتٌ إذا كان ماهراً بالدلالة، مأْخوذ من الخُرْتِ، وإِنما سمي خِرِّيتاً لشَقِّه المَفازَةَ ،وهو لفظ مازال متداولا بنفس المعنى في لهجتنا العامية قال أحد الشعراء:

وليا ذكر له مركز(ن) فيه تفتيش

خرّيت كم من غبشةٍ قد غبشها

مجرّبٍ مسرى الغداري مع الجيش

ولو داس بيضة حمّرة ما فقشها

*أدلاء العرب الذين انتهت إليهم الدلالة :

1 دُعيميص الرمل العبدي وهو مضرب المثل في الدلالة عند العرب فيقال (أدل من دعيميص الرمل ). وقد بلغ أرض (وَبَار) وهي كما يزعم الأخباريون موضع بين اليمامة والشّحْر أهلك الله ساكنيه فغلب عليه الجن ؛ ولم يبلغ هذا الموضع غير دعيميص هذا!! وكان سبب إ تيانه إياها كما ذكر صاحب المحبّر وغيره أنه كان يأتي فحل هجان كالقرطاس والهجان من الإبل ذات اللون الأبيض كما عند الجوهري فيضرب في إبله فاذا ألقحها انصرف، فاستنتجها أربعاً وثلاثين بكرة كالقراطيس، فاقتعد منها واحدة، وإن ذلك الفحل أتى إبله كعادته، فلما انصرف تبعته البكرات، فركب التي اقتعد منهن واتبعهن، وجعل يملأ بيض النعام ماء ويدفنه في الرمل فلم يزل في أثر البعير حتى هبط على أكثر بلاد الله نخلاً وإبلاً هجاناً، فنودي: إنه لا سبيل لك إلى البكرات: إنهن من بعيرنا، وقد أضربنا لك عن قعدتك، فرجع فجعل يستثير البيض فيشرب الماء حتى أتى أهله.

2 رافع بن عميرة الطائي:

ذكر ابن قتيبة في عيون الأخبار : أنه لما كتب أبو بكر رضي اللّه عنه إلى خالد ابن الوليد يأمره بالمسير إلى الشأم والياً مكان أبي عبيد ة بن الجراح، أخذ على السّماوة حتى انتهى إلى قراقر، وبين رقراقر وسوى خمس ليال في مفازة، فلم يعرف الطريق، فدلّ على رافع بن عميرة الطائي وكان دليلاً خرّيتاً فقال لخالد: خلّف الأثقال وأسلك هذه المفازة إن كنت فاعلاً، فكره خالد أن يخلّف أحداً وقال: لا بد من أن نكون جميعاً، فقال له رافع: واللّه إن الراكب الفرد ليخافها على نفسه وما يسلكها إلا مغرر مخاطر بنفسه، فكيف أنت بمن معك؟! فقال: لا بد من ذلك، فقال الطائي لخالد: ابغني عشرين جزوراً مسانّ عظاماً. ففعل، فظمّأهن ثم سقاهن حتى روين ثم قطع مشافرهنّ وكعمهنّ لئلا تجترّ، ثم قال لخالد: سر بالخيول والأثقال فكلما نزلت منزلاً نحرت من تلك الجزر أربعاً ثم أخذت ما في بطونهن من الماء فسقيته الخيل وشرب الناس مما تزوّدوا، ففعل. فلما صار إلى آخر المفازة انقطع ذلك وجهد الناس وعطشت دوابّهم، فقال لهم خالد: ويحك، ما عندك؟ قال: أدركت الريّ إن شاء اللّه، أنظروا هل تجدون شجرة عوسج على ظهر الطريق؟ فنظروا فوجدوها فقال: احفروا في أصلهم فحفروا فوجدوا عيناً فشربوا منهم وتزوّدوا، فقال رافع: واللّه ما وردت هذه الماء قطّ إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام. فقال راجز المسلمين في ذلك:

اللّه درّ رافع أنّى اهتدى

فوّز من قراقر إلى سوى

أرضاً إذا سار بها الجبس بكى

ما سارها قبلك من إنس أرى

3 ومن الأدلاء أيضاً حنيف الحناتم جاء في كتاب المستقصي في أمثال العرب للزمخشري (أدل من حنيف الحناتم): وقد كان ماهراً بالدلالة، ومنهم خالد بن دثار الفزاري دليل بني فزارة على كلب يوم بنات قين ،ومنهم عبدالجبار بن يزيد بن ربعة الكلبي دليل بني المهلب بن أبي صفرة حين هربوا من سجن الحجاج ولحقوا بسليمان بن عبدالملك ،ومنهم الأصيدف بن صليع الطائي وكان عالماً بالبلاد دليلا ،ومنهم أيضاً عبداللّه بن اُريقط العدوي،حليف العاص بن وائل السهمي، دليل رسول الله صلى االله عليه ليلة الهجرة.

*الدلالة في عصور العامية :

ولأن الصحراء هي الصحراء والعرب هم العرب فقد كان للدلالة أهميتها وللدليل قيمته على مدى الزمن ، وقد ظهرت خلال القرون الثلاثة الأخيرة صفة الدلالة أو (الدلولة) كما يسمونها كأحد مقومات القيادة المهمة في عالم الصحراء وخاصة خلال فترة السلب والنهب التي عاشتها الجزيرة العربية قبل مرحلة التوحيد على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله ؛حيث يمدح الشخص بمعرفته لمسالك الصحراء ومواردها قال راشد الخلاوي :

يا طول ما يارد بهم جاهلية

يفجي الشبا عن كوكب ماه بارد

وتقول وضحى النبيقي تمدح زوجها نقلاً عن رضا طارف في ديوانه ص329:

شوقي على الفرجة وسيعٍ بطانه

دليل عيراتٍ بدار خليّه

وليس أمر الدلالة مقتصراً على مجال المدح بل هي محور للمفاخرة والتميّز على الآخرين فالدليلة في الصحراء هو المنقذ لمرافقيه بمعرفته بموارد المياه لأن فقدان الماء يعني الهلاك فلا مجال للغزو أو السفر بدون دليل فهذا الشاعر راضي السبعي يفاخر بإنقاذه (لربعه) عند انعدام الماء وخطر الموت ظمأً لأنه باختصار (دليلة) يتفوق على الحمام في معرفة موارد المياه (رضا طارف 323) :

لا قالوا المرقاب ماني مهوني

ياما صعدنا له على الرجل نرقا

وإن صفطوا ربعي اجرود الشنوني

الجيش مظمي والمناعير حرقا

قومي اليا ضاع الدليلة دعوني

أدل من حمامة الرس ورقا

وهذا ساجر الرفدي يفتخر (أبطال من الصحراء 142):

ياما وردنا عقلةٍ جاهلية

وطيّرت من جال القليب حمام

وهذا شليويح العطاوي يقول مفاخراً :

وأنا دليلتهم وسبرٍ للأولاد

قلت ابشروا ياشاربين الوزاني

فالغزو كعرف اجتماعي سائد يحقق أهدافه عندما يكون مرتبطاً بعنصر المباغتة والمفاجأة المبنية على السريّة التي لا تكون إلا بعبور الطرق المجهولة والمسالك المهجورة البعيدة عن الموارد المعروفة وهم عندما يغنمون الإبل ويطاردهم فرسانها يضطرونهم إلى القفار الخالية والتي تحتاج خريتاً بريتاً كما قال محمد الدسم (قطوف الأزهار 149) :

هوجاً اليا حدّوا عن الما بتجنيب

تنحر لها عدٍّ خفي البياني

والحقيقة أن الدلالة كانت مهمة جداً لكل مسافر في الصحراء أياً كان هدفه سواء كان هذا السفر للغزو أو للتجارة أو للحج أو غير ذلك بسبب أولاً: انعدام الأمن،وثانياً: عدم وضوح المسالك والطرقات ،وثالثاً:قلة موارد المياه وخفائها .ولذا كان لابد لكل قافلة من القوافل دليلاً خريتاً بريتاً وإلا كانت عرضة للخطر من كافة الجوانب .

*مشاهير الأدلاء في العصر الحديث :

وقد ذكر إبراهيم الخالدي في كتابه الألقاب والعزاوي بعضاً ممن اشتهروا بالدلالة منهم (خميس بن رمثان العجمي ) الذي كان دليلاً لشركات النفط التي تنقب عنه في صحاري وقفار الجزيرة العربية فكان ذو معرفة ثاقبة بكل شبر في الصحراء لا يخفى عليه مورد ولا مسلك وفي الوثائق الرسمية لأرامكو السعودية فإن ريادة هذا المجال الاستكشافي للنفط تمثلت في ابن رمثان والجيولوجي الأمريكي ماكس ستاينكي اللذين كونا فريق عمل متجانساً ومتفاهماً أدى إلى الوصول إلى الزيت في مناطق عديدة من السعودية،كما أطلقت الكويت اسم (رمثان) على احد حقول النفط تقديراً لهذا الدليل الماهر .

ومنهم (دليل عقيل) وهو لقب لإبراهيم بن سليمان الجربوع وكان من أشهر أمراء العقيلات خبرة بالديار والطرق والمناهل .

ومنهم أيضاً (الدليلة) وهو لقب لابن هدبا الرشيدي وكان عارفاً بمسالك الصحراء بشكل مميز.قال الخالدي:" ولعله مشلح بن هدبا الذي ذكره منديل الفهيد (5:460) بأنه من أهل معرفة الموارد بالصحاري ،وكان مشلح هذا دليل الملك عبدالعزيز في شرقي نجد وشمالها كما أن أباه مثعي دليل الملك عبدالعزيز والشيخ جابر المبارك في غزوة مشتركة قاما بها سنة 1321ه".

وأخيراً ...ربما تكون انتهت الحاجة إلى الدليل البشري في الصحراء اليوم بسبب ما نعيشه من أمن وأمان، ولكن هل يستطيع الجيل الجديد من الشباب السفر في صحاري الجزيرة البعيدة شمالاً أو جنوباً بدون الاستعانة بوسائل التقنية الحديثة كأجهزة ال GPS وغيرها ؟!