فوجىء عليه السلام وهو في الغار بشخص غريب يتقدم نحوه، ثم يعانقه عناقا مجهداً.. ذلك الغريب هو كبير الملائكة (جبريل عليه الصلاة والسلام) الذي ألقى عليه وحيا يقول: (اِقرأ).

لكن محمدا عليه الصلاة والسلام لا يجيد القراءة ولا الكتابة، بل ولا يدري ما المطلوب منه ولا يعرف من هذا الذي يأمره، ولذا قال: (ما أنا بقارىء!؟) فعاود ضمه وأمره، فكرر الإجابة نفسها، فضمه ضمة يتحدث عنها فيقول: (قلت: ما أنا بقارىء؟ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم* علم الإنسان ما لم يعلم -البخاري) ثم تركه وخرج من الغار واختفى.. هنا تحول عليه الصلاة والسلام من رجل عادي إلى نبي، لكنه مازال خائفا يرجف قلبه، خرج من الغار وتلفت، فلما لم ير أحدا انحدر يتصبب عرقا وحيرة نحو بيته، وحالما دخل بيته قال: (زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع) أشفقت زوجته وبناته لحالته ورجاءاته فغطوه، وبعد أن هدأ روعه قص عليهن خبره، ثم التفت إلى حبيبته خديجة التي تقترب من الستين بسؤال كالدموع وقال لها: (يا خديجة مالي؟ لقد خشيت على نفسي؟)  فأجابته إجابة زوجة قرأت حبيبها من ألفه إلى يائه، فوجدته أكمل الرجال وأعقلهم وأكرمهم وأحنهم وأطهرهم وأصدقهم وأنقاهم عقيدة، فقالت له كلمات كالمطر: (كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (أي تعين المحتاج) وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) وفي الغد أخذته إلى ابن عمها (ورقة بن نوفل) وهو شيخ نصراني من الموحدين أتباع الراهب الموحد (إريوس) الذين كانوا يشكلون أغلبية قبل أن يعتنق الامبراطور الروماني الوثني قسطنطين مذهب التثليث ويفرضه بالقوة ويأمر بتصفية كل من يخالفه.

استمع ورقة لما قاله عليه السلام، فلما انتهى تهلل وجهه وقال: (هذا الناموس (الوحي) الذي نزل على موسى.. يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك) يالها من بشرى وفضل إلهي غامر، لكن كلام ورقة أصابه بغصة فقال: (أو مخرجي هم؟ قال ورقة: نعم، لم يأت رجل بمثل ماجئت به إلاعودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً).

خرج عليه السلام من بيت ورقة وهو أسعد خلق الله، فإلهه الذي طالما ناجاه يشرفه برسالة من عنده ويصطفيه من بين أهل الأرض كلهم، أما ورقة فلم يعش طويلا، توفي فكان أول رجل أسلم، وأما جبريل فلم يعد (فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم- البخاري وكل الذي قبله كذلك) لتحاصره التساؤلات: مامهمته، ما المطلوب منه؟ وأين جبريل الذي عانقه في الغار؟ أسئلة وحيرة وحزن امتدت أشهراً، وفي أحد الأيام كان يمشي فسمع صوتا في السماء.. رفع رأسه فرأى جبريل بهيئته الهائلة على كرسي بين السماء والأرض، فسقط على الأرض، ثم نهض نحو بيته وقدماه بالكاد تحملانه، دخل يرتجف ويقول: (زملوني) (دثروني)، ولم يكد يهدأ حتى غاب عن الوعي أمام خديجة وبناته، تلك الغشاوة كانت الصورة الثانية لصور تلقي الوحي، وبعدما أفاق تلا على مسامعهن آيات تقول: (يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر *) فتوجه بهذه الكلمات إلى خديجة وبناته، فكن أول من أسلم من الناس بعد ورقة، ثم خرج فبدأ بأقرب الناس إليه. توجه عليه السلام نحو صديقه أبي بكر، فلم يزد على أن قال: صدقت، فسمي (الصديق)، توجه إلى ابن عمه علي بن أبي طالب فأسلم، وإلى ابنه بالتبني زيد بن محمد، وهكذا بدأت دعوته تنتشر سراً.