لما شبّ عليه السلام فجع بموت جده.. بكاه هو وأعمامه حمزة والعباس وأبو طالب الذين كانوا أقرب أهله إليه، شاركهم أنشطة مكة وأحلافها ومعاهداتها وعنايتها بكعبة ربها، لكن الكعبة آنذاك كانت مهلهلة قصيرة الجدران لدرجة تستطيع أن (تقتحمها العناق، وكانت غير مسقوفة، وإنما توضع ثياب عليها، ثم يسدل سدلاً عليها، وكان الركن الأسود موضوعاً على سورها، بادياً، وكانت ذات ركنين – السيرة كما جاءت في الأحاديث الصحيحة) أي كانت تتخذ شكل الحرف (D)، فأرادت قريش إعادة بنائها بمال حلال فقط، فلم تستطع أن تجمع من الحلال إلا ما يكفي لبناء المساحة المربعة الحالية، مما اضطرها إلى إخراج الجدار القصير الذي نراه اليوم على شكل قوس. شارك عليه السلام في بناء الكعبة، وعندما حان وقت وضع الحجر في مكانه اختلفوا: من يضعه؟ حتى كادوا أن يقتتلوا، فرضوا أن يحكم بينهم أول من يدخل عليهم، فلاح طيفه الجميل من بعيد فقالوا: (أتاكم الأمين- السابق) فوضع الحجر في ثوب فحملوه وثبته بيده في مكانه.

استمرت حياته فاعلا ناشطا مع قومه بعيدا عن الخمر والأصنام والخنا، رغم أنه كان حلم فاتنات مكة وغيدها اللواتي يرين تهافت الرجال على النساء حلالا وحراما، فيتوقعن أن يحظى شاب بمواصفات محمد عليه السلام بما يعن له من الصغيرات في زمن لا حجاب فيه ولا حرام، بل إن بعض الجاهليات كن يتعرين عند الكعبة.. الكثيرات يحلمن بالارتماء بين يديه، لكن قلوبهن تحطمت عندما علمن أنه تجاوزهن وتجاوز أحلامهن نحو امرأة في أعمار أمهاتهن تدعى (خديجة بنت خويلد) امرأة تجاوزت الأربعين، شغف قلبها هذا العشريني الفاتن، فعرضت عليه الزواج، فوافق، لكنها علمت أن لأبيها موقفا من عمه، لذا لن تسمح لهذا الشيخ الخرف أن يحطم قلبها، فلجأت إلى الخمر، فسقت والدها حتى سكر، ثم ألبسته وزينته وعرضت عليه الأمر فوافق، ولما أفاق استغرب لباسه الجديد وحلته (فقالت خديجة: زوجتني محمد بن عبدالله. قال: أُزَوِّج يتيم أبي طالب؟ لالعمري. فقالت: أما تستحي؟ تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبر الناس أنك كنت سكران؟ فلم تزل به حتى رضي- السابق) فرزق منها بأربع زهرات هن على الترتيب: زينب فرقية فأم كلثوم ففاطمة عليهن السلام. كن سعادة قلبه، يسقيهن من الحنان والدلال ما حرمه اليتم منه، ماأجملهن وهن يتسابقن عند دخوله لاكتشاف ما يحمله، أو للفوز بأحضانه أو امتطاء ظهره واللعب معه أوالشكوى إليه والتدلل بين يديه، أو تدليله وتدليكه وتسريح شعره عندما يستلقي متعبا.. أما هو فكان أسمح الأزواج وألطفهم وأحن الآباء وأرقهم، وكلما كبرن وكبر تعاظم حبهن وحبه في قلبه وقلوبهن حتى اقترب من الأربعين.. عندها كثرت الإشارات الغامضة من حوله حتى أقلقته، فمرة يقول: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي- السابق) ومرة كان يحمل حجرا لبناء الكعبة فتظهر عورته فينادى: (يا محمد، خَمِّر عورتك - السابق) وآخر الإشارات (الرؤيا)، فكان لا يرى في نومه رؤيا إلا تحققت على أرض الواقع. هل للجن علاقة بالموضوع؟

هاهو يشكو لخديجة فيقول: (إني أرى ضوءاً، وأسمع صوتاً وإني أخشى أن يكون بي جنن؟ فتقول له: لم يكن الله ليفعل ذلك بك يا ابن عبدالله - السابق) عندها بدأ رحلة التأمل والسياحة الروحية والتعبد لله وحده، فاختار غاراً في جبل حراء، ليمكث فيه الليالي والأيام، فإذا انتهى زاده نزل من الجبل وقضى وقتا مع زوجته وبناته، ثم يعود لخلوته، استمر على ذلك حتى دخل شهر رمضان من عام 13 قبل الهجرة، وفي إحدى لياليه رأى شبحا عظيماً يقبل عبر فتحة الغار الصغير ويتهادى نحوه.