بعد عامين أو أكثر من ولادته عليه السلام قدم نسوة إلى مكة يردن إرضاع أطفال قريش، فكان من نصيب امرأة طيبة اسمها (حليمة السعدية)، أردفته لتزدان به مرابع هوازن.. ينهض وإخوته من الرضاعة كل صباح من خباء حليمة، يلاحقون الغنمات ويرعونها ويتراكضون ويمرحون حولها، فإذا قرصهم الجوع أخرجوا زادهم المتواضع فأكلوه ثم عادوا لمرحهم، وفي أحد الأيام نسوا طعامهم، فعاد أحدهم لإحضاره، وبينما كانوا يلعبون رأوا شيئا يهبط عليهم من السماء، طيران ضخمان يتجهان نحو محمد، فأخذاه برفق وهو لا يدري ما يفعل، ثم إضجعاه على الأرض وسط دهشة الأطفال واتساع أعينهم وارتجاف قلوبهم، ثم قاما بشق صدره، عندها هرب الصغار نحو أمه وهم يصرخون: إن محمدا قد قتل.. أما الملكان فأخرجا منه شيئا، ثم قالا كلمة لم ينسها: (هذا حظ الشيطان منك- مسلم) كان الأطفال (يسعون إلى أمه فقالوا: إن محمدا قد قتل- السابق) لتركض حليمة مفجوعة نحوهم.. تتصفح تلك الوجوه الصغيرة التي لونها الفزع.. وتلتقط كلماتهم المتقطعة بين أنفاسهم المتقطعة.. ذهلت حليمة لكنها لم تنهر، بل انطلقت تركض لإنقاذ صغيرها، لتفاجأ به مقبلا يسير بهدوء (فاستقبلوه وهو منتقع اللون- السابق) لتعانقه بحرارة وتغمض عينيها عليه وتطوقه بذراعيها، ثم تفيق لتتحسس جسده الصغير وتتأكد من سلامته، بينما كانت رؤوس الصغار وصدورهم ترتفع وتنخفض من الهلع.. تكشف ثوبه فتفاجأ: ما هذا؟ أحد رفاقه يقول: (كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره - السابق)

ما الذي حدث؟ ما الذي جرى لك يا نور العين؟ روى عليه السلام لأمه قصة الطيرين، لكنها لم تطمئن، فلا يمكن لجرح أن يندمل في دقائق، ولم تدر أنها أمام معجزة ستخلد اسمها واسم مرابعها، فاستبد الخوف بها وخشيت أن يكون للجن يد فيما حدث، فأردفته وتوجهت به نحو آمنة، وفي مكة أخبرتها بما حدث وخوفها عليه، لكن آمنة طمأنتها وقصت عليها الرؤيا التي رأتها قبل ولادته، لتودعه حليمة وتودع قلبها معه، ويبقى محمد في مكة يعطر طرقاتها وساحاتها ببراءته وعذوبته بين رفاقه، وقد يأخذه جده للطواف بالكعبة والأسواق، فيعود ليقص على أمه ما فعل، حتى جاء ذلك اليوم الذي حملته معها نحو أخواله (بني النجار) في مدينة (يثرب)، حيث بقي فترة من الزمن يلهو ويلعب في دروبها وبين نخيلها وهو لا يدري أنه سيعود يوما إليها ليغير اسمها ويقيم عليها دولة جميلة، كان اليهود منتشرون في الطرقات والأسواق.. جاءوا للمدينة أملا باستقبال النبي المنتظر الذي يقول كتابهم المقدس أنه: يهاجر من جبال (فاران) أي جبال مكة نحو أرض ذات نخل. فهل رآه حاخام من حاخاماتهم ذات يوم؟ وما شعوره لو عرفه؟ الأيام ستجيب. أما هذا الطفل الجميل فتناديه أمه (آمنة) لأن موعد المغادرة قد حان، فيركب بين أحضانها وقبلاتها وقصصها الجميلة أثناء السفر، وفي الطريق توقفت القبلات، وانتهت القصص، فقد مرضت آمنة واشتد ضعفها، وأنزلت عن راحلتها لتفارق الحياة في مكان يقال له الأبواء، وتؤخذ من بين يديه وهو يبكيها ويتعلق بها ويناشدها أن تفيق، لكنها تدفن أمام عينيه الغارقتين بالدموع، فيكمل بقية السفر دونها، ويصل مكة وقد تيتم للمرة الثانية. لتتلقاه عماته بالدموع، ويحيطه جده بالرعاية، ويكبر عليه السلام فيتعرف على صديق طفولته وشبابه وبقية عمره، (عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي قحافة) الملقب ب(أبي بكر) فكأنهما لا يفترقان، ويشب ويشتد عوده ويبدأ بكسب رزقه من رعى الغنم (لأهل مكة على قراريط - البخاري)، ثم يشتغل بالتجارة والبيع والشراء، فيملك قلوب أهل مكة لصدقه وأمانته لدرجة أن لقبوه ب(الأمين)