في مكة وقبل الهجرة بثلاثة وخمسين عاما انتفضت الأرض تحت أقدام فيل ضخم يتقدم جيشا متوحشا مقبلاً من جهة اليمن، جيش زحف من أجل أن يثبت أن هذا البيت ليس آمنا كما يشاع عند العرب، فيل وخيل وبغال وعربات تحرث الأرض وتسحب خلفها غمامة من الغبار الكثيف ترتفع كشبح هائل ومخيف.. يراها أهل مكة فيتطايرون في الجبال ويختبئون في الشعاب هلعا، وعلى مشارف مكة توقف الزحف وعسكر الجيش، علم عبد المطلب (وجيه قريش) فخرج متوسلا ملكهم، عله يقنعه بالعدول عن عزمه.  

دخل عبد المطلب خيمة الملك فقال:(ما جاء بك إلينا؟ ألا بعثت فنأتيك بكل شيء أردت؟ فقال الملك:أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله أحد إلا آمن، فجئت أخيف أهله- السيرة كما جاءت في الأحاديث الصحيحة) عندها عاد عبد المطلب ثقيلا يسحب أقدامه وهمومه، واتجه بهما نحو أحد الجبال مع قومه، متخليا عن أصنامه، فقد رأى كل القوى تتلاشى أمامه إلا قوة الله، نهض التوحيد في عقله وقلبه، وناشد خالقه من أعماقه وقال: (اللهم إن لكل إله حلال فامنع حلالك - لا يغلبن محالهم أبداً محالك - اللهم فإن فعلت فأمر ما بدا لك - السابق)

أمر الملك بالزحف نحو الكعبة، وارتفع الغبار من جديد، وامتلأت الأجواء بصياح الجند المنتشين بقوتهم وضعف عدوهم، وعندما بدأت الأقدام تلامس واديا يقال له (وادي محسر) ظهرت أسراب من الطيور الغريبة.. تقبل كغمامة سوداء من جهة البحر.. تخترق ذلك الغبار والصياح وتحوم حوله.. تحوم كالموت الأسود فوق ذلك الجيش، الذي خرس من هول ما يرى، وتحير على أرض ذلك الوادي. وفجأة يبدأ القصف بدقة مميتة، ليتحول الصياح إلى صراخ وأنين، وتختلط في السماء الطيور والحجارة والصراخ والغبار والموت، وتتناثر آلاف الجثث قتلى وجرحى على تراب ذلك الوادي.. طيور (أقبلت مثل السحابة من نحو البحر، حتى أظلتهم طيرٌ أبابيل، التي قال الله تعالى: «ترميهم بحجارة من سجيل» أي حجارة من طين فصار الفيل يصيح فجعلهم الله «كعصف مأكول» أي كالورق اليابس - السابق)  ولى الفيل هاربا ولم يخلف سوى روثه، ونجا بعض الجنود ومن بينهم قائد الفيل وسائسه وقد أصيبا بالعمى والعجز، وبقيا شاهدين على قيد الحياة عقودا من الزمن حتى رأتهما إحدى الفتيات يتسولان فقالت: (لقد رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان بمكة - السابق)  

كان أهل مكة يشاهدون ما يحدث في السماء، ويجهلون ما يجري على الأرض، حتى بدأ انقشاع الغبار، وتوقف الصراخ، ورحلت أسراب الطيور المحاربة، وصفت السماء وهدأ الكون، فانحدرت قريش من مخابئها وانتشرت كالحياة لتجد الكعبة آمنة تحرسها أسراب الطيور، لكن الوثني إنسان جحود حين يتمرغ بالنعمة.. عادت قريش إلى أصنامها تعبدها ونسيت نعمة ربها (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) ورزقهم غنائم الحرب دون أن يطلقوا سهما أو يسلوا سيفاً.. رزقهم غنائم الحرب وهم في مخابئهم، هذا الحدث الاستثنائي يعلن أن الجحود الوثني المظلم لن يطول أمده، لا سيما وتلك الفتاة المفجوعة بزوجها عبد الله، والتي تعاني آلام الحمل، (آمنة بنت وهب) تستيقظ من نومها وهي على وشك الوضع، لتقول لمن حولها أنها رأت في منامها رؤيا تؤذن بانقشاع ظلام لا تدري ما هو.. تحدث من حولها وتقول: (رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام - السابق) وبعد تلك الرؤيا المبهجة وآلام الوضع المؤلمة ولدت طفلا يتيما كالصباح.. ولدته في أحد أيام الاثنين من شهر ربيع الأول من ذلك العام (عام الفيل)

إنه (محمد) هذا هو الاسم الذي تم اختياره.. لا يدري أحد بالضبط من سماه بهذا الاسم: أمه أم جده؟