ليس من السهل اعتبار فنون الأداء المرئية بأنها لا تشكل هي وشخصياتها أهمية كبيرة، فالناس شغوفة بمختلفها من المسلسلات والمسرحيات والأفلام السينمائية، وقد فعل من ديمومة وجودها التلفزيون (ومن بعده الأقنية والفضائيات) فإن صيغة تكرار العرض هي مسيرة الفرجة وذاكرتها. ويعرف أن المسلسلات بدأت في تلفزيون الكويت متوازية وعروض المسرح (سابقة لسواها من التلفزيونات العربية)، وهذا لا يلغي الإرث الكبير للمسرح قبل ظهور الكاميرا ومن بعد ظهورها المواكب لبداية السينما وتمركزها حسب نظام العرض والفرجة. يعد الممثل عبدالعزيز النمش (1930-2002) الذي تمر ذكرى ولادته هذا الأسبوع (24 أغسطس) من علامات وريادات الدراما الكويتية، والخليجية (ولا يمنع أن تكون العربية).

وقد شكلت شخصيته التمثيلية القناعية بأدوار المرأة - وليست أية أدوار - حالة فنية فريدة ومميزة بدأت وختمت به وتركت ظلالاً لا تمحى سواء بوجود العنصر النسائي المتفوق، أو بتأثر الممثلين الرجال به لاحقاً (حسن البلام وعبدالناصر درويش، وعامر محمود - موضي علف، وعبدالله المزيني - رقية). ربما لا يعرف كثيرون عن شخصية النمش، وكيف كان تأسيسها اجتماعياً وثقافياً، وذلك العالم النفسي الزاخر في داخله أثناء الأداء وتركه الأثر القوي في نفس المشاهدة. تلقى النمش تعليمه الأولي في المدارس وعرف المسرح فيها حتى إنه نافس أربعة من زملائه بدور المرأة ما جعل المخرج يندهش ويختاره لأدوار أخرى إلا أن المسرح الكويتي ظل في بواكيره في عروض فرق المسرح الأولى بين الارتجال والنصوص الشحيحة. عمل النمش في مراهقته وشبابه بدكاكين التجار من بيت الصقر والنفيسي، وعمل سائق شاحنات بين منطقتي الشعيبة والأحمدي، وبعد تأسيس التلفزيون الكويتي 1964 حصل على وظيفة عامل فني، ثم تدرج النمش في العمل ذلك الحين من خدمات الانتاج الى المشتريات، وأعمال التصوير والاضاءة وغيرها. وسعى إليه التمثيل مجدداً عندما عرض عليه تأدية أدوار بسيطة في أولى مسلسلات التلفزيون ثم توفر للنمش فرصة الدفع بعجلة احتياج المسرح الكويتي للمرأة (خاصة في الأعمار المنتصفة وما بعدها) رغم أن المسرح العربي (مؤسسه زكي طليمات 1961) قدم ممثلتين كويتيين أول مرة مريم الصالح، ومريم الغضبان، في مسرحية صقر قريش 1962، إلا أن النمش قد انضم إلى فرقة المسرح الشعبي (مؤسسها أبو المسرح الكويتي محمد النشمي) وشارك عبر دور المطوعة مكية في مسرحية "سكانه مرته 1964" (تأليف حسين الحداد، إخراج عبد الرحمن الضويحي) التي شهدت أول مشاركة لفرقة عودة المهنا على المسرح عبر تأدية فاصل من المالد (سلام سلام، فن قادري). تناولت المسرحية قصة العائلة التي يكون الأب فيها ضعيف الشخصية أمام زوجته التي تسيطر على كل شيء في البيت، ودور المرأة المتسلطة يحمل أبعاداً نفسية مركبة برع النمش في تقديمها ورسمت طريقه في عالم الدراما. وعرض على طاقم المسرحية في عرضها خارج الكويت وحدث ذلك في البحرين سبتمبر 1966 فأشادت بها الصحف البحرينية إثر حرارة الاستقبال والحضور هناك. لم يطل الأمر على النمش لتصدر أدوار البطولة والنجومية حين حقق اجتماع كل من حسين عبدالرضا وعبد العزيز النمش في مسلسل "مذكرات أبو عليوي وأم عليوي 1964" الذي كتبه عبد الرضا نفسه (وشارك في التمثيل: خالد النفيسي، ومحمد جابر -عيدروس، صالح حمد - مبيريك) وحمل أغلب الممثلين أسماء الشهرة من أسماء شخصيات العمل (وظهرت فيه أول مرة الممثلة زينب الضاحي)، إلا أنه حقق للاثنين النمش وعبدالرضا مكانة مهمة لم يتأخر أي واحد منهما عن استثمارها باقتدار.

بعد ثلاث مسرحيات: "غلط يا ناس 1964" و"الجنون فنون 1965" و"يمهل ولا يهمل 1966" منح النمش دور البطولة في مسرحية "كازينو أم عنبر 1966"(تأليف وإخراج عبد الرحمن الضويحي)، وهو الدور الذي رسخ من وجوده الفني ممثلاً بقدرات كبيرة واعداً بالكثير لفن الدراما. قام النمش بدور المرأة الفقيرة (أم عنبر) التي هبطت عليها ثروة كبيرة - بسبب فترة التثمين - من حيث لا تدري ثم تقوم بافتتاح كازينو (مطعم) وتسكن في فيلا جديدة، وهذا الدور نوع عليه كثيراً في مسرحيات عدة بينما دور الأم الطيبة سينوع عليه كثيراً في المسلسلات.

وفي هذه الفترة تولى إدارة العلاقات العامة في مجلس إدارة فرقة المسرح الشعبي وكان رئيسها عبد الله خريبط.