يعاني معظم المصابين ب «السحر والعين والمس» عددا من الضغوط النفسية، وحب الانطوائية والعزلة، بسبب نظرة المجتمع السلبية نحوهم عندما يلجؤون إلى العلاج بالرقية الشرعية.

وقد يتراجع كثير منهم عن العلاج وتنهار قواهم النفسية والعقلية نتيجة شدة المرض والتفكير المضني فيه، إلى درجة الوسوسة، إلى جانب شعورهم بضغط شديد مع بداية الجلسات عند ذهابهم إلى الراقي، إذا لم يجد من يحتويه ويدفعه للاستمرار في فك السحر والعين شرعاً.

ورصدت "الرياض" تجارب ناجحة لعدد من المرضى النفسيين والمصابين بمس وعين عند مواصلتهم العلاج بالرقية وعدم الاستسلام للضغوط النفسية وتغلبهم على النظرة الاجتماعية التي يواجهونها لحظة العلاج.

انطباع الناس سلبي!

في البداية، أرجعت السيدة "سميرة" أسباب لجوئها إلى الرقية الشرعية بعد استجابتها لنصيحة أحد الأطباء بعد تأكيد تقارير المستشفيات التي دأبت على مراجعتها خلوها من أي مرض عضوي، حيث كانت تعاني السحر استمرت لمدة 6 سنوات، موضحةً أنها تشكو من صداع دائم، وإغماءات، وبكاء متواصل، وتشنجات، واضطراب في نبضات القلب، من دون أي مسببات.

وقالت بعد عامين من المعاناة ذهبت إلى عدد من المشايخ المتخصصين بالرقية الشرعية، وأكدوا إصابتي بالسحر، ووجوب المداومة على الرقية لحين الشفاء، إلا أنني لم أكن منتظمة في المواعيد، معللة ذلك لبعد مكان الراقي وعدم راحتها لقراءته، إلى جانب حالتها النفسية غير المستقرة.

وأكدت شعورها بإحباط شديد وتدهور حالتها النفسية بسبب نظرة المجتمع لها بأنها تعاني مرضا نفسيا، وعدم تصديق بعضهم بإصابتها بالسحر، مشيرةً إلى أن ذلك دفعها إلى الانعزال عن المجتمع، والانسحاب من الدراسة، منوهةً بأنها استطاعت تجاوز تلك المرحلة بدعم الراقيات ومساعدتهن في القسم النسائي لدار الشيخ الذي تتلقى العلاج لديه.

وتمنت سميرة أن يتفهم المجتمع ويقدر الحالة النفسية التي يمر بها المصاب بالسحر والعين، وأن تتقبل الجهات الحكومية والخاصة أعذارهم في حالة اشتداد المرض والغياب عن المدارس وأماكن العمل.

وتوافقها الرأي، السيدة "شيماء"، مؤكدةً أن نظرة المجتمع للفتاة التي تتلقى العلاج عن السحر بالرقية الشرعية فيها كثير من "الظلم"، مشيرةً إلى أن صديقتها حرمن من الزواج وفسخت خطبتها عندما علم أهل خطيبها بمراجعتها بانتظام إلى دار الرقية الشرعية، مضيفةً: "وكأن ذهابها إلى الدار يعد نقصاً في أهليتها كزوجة!".

وقالت يجب تصحيح هذه النظرة حتى نساعد المريض على تخطي هذه المرحلة بنجاح، ونتمكن من إعادة تأهيل نفسيته المهلهلة نتيجة العوارض والضغوط ومجاهدة النفس بالعلاج.

وعللت المواطنة فاطمة أسباب تركها العلاج بالرقية الشرعية عند المشايخ والقراء المتخصصين، واكتفاءها برقية نفسها بالبيت، لسماعها بعض الهمسات من الجيران بأنها قاربت على الجنون وأنها تحتاج إلى علاج بمصحة نفسية!!.

وأضافت: "بعد أن ساءت نفسيتي آثرت التزام بيتي والإحجام عن زيارات الرقاة، وبدأت زيارة الطبيب النفسي الذي نصحني بالمداومة على الرقية الشرعية، وأخذ حبوب نفسية تساعدني على تحسين نفسيتي وتهدئتها".

العلاج بالرقية مثل أي علاج

وقالت نبيلة الشيخي التي تمارس الرقية بعد أن تعافت من السحر أن نظرة المجتمع للمصابين بالعين والحسد بدأت تتلاشى، وأصبح كثيرون يرون أن العلاج عند الراقي مماثل لعلاج الطبيب النفسي، حتى أصبح هناك مستشفيات متخصصة للعلاج بالرقية الشرعية بالتعاون مع الطب النفسي.

وأكدت أنها استطاعت التخلص من السحر بعد مجاهدة نفسها وانتظامها في العلاج من السحر بالرقية الشرعية، مبينةً أنها كانت ترى قبورا وأمواتا وتعاني صداعا شديدا، وتعاني عدم القدرة على النوم مع زوجها عندما كانت مصابة بالسحر.

وقالت: لا أنكر أنني في البداية أصبت بحالة من الضيق والاكتئاب والعزلة عن الآخرين، ولكن مساندة أهلي وزوجي مكنتني من تخطي مرحلة العلاج الحرجة ونظرة المجتمع لي، منوهةً بأن تفهم إدارة المدرسة لحالتها ومراعاتها عند الغياب عن العمل دفعها إلى أن تتدرب عند الشيخ الذي تتلقى العلاج لديه حتى أصبحت ضمن الراقيات.

وتابعت: "استطعنا تحفيز عدد من الحالات على مواصلة العلاج، وعدم الاستسلام للضغوط النفسية والاجتماعية، وذلك بعد كتابة الأعذار للطالبات والموظفات وتجاوب المديرين وأرباب العمل".

وأكدت أن غالبية المرضى المصابين بمس، أو سحر، أو عين، يعانون ضغوطا نفسية، وانطواء، وحب للعزلة والظلام، وعند ذهابهم إلى الرقية الشرعية يشعرون بضغط شديد ما يجعلهم يتراجعون مع بداية الجلسات إذا لم يجدوا من يحتويهم ويدفعهم للاستمرار.

وبينت أنه في حال اندماج المريض النفسي مع الإصابة بعين أو سحر فإن الشيخ يوجه المصاب للعلاج النفسي والمداومة على الرقية الشرعية حتى يحقق العلاج نتائج سريعة.

تعميم العلاج بالقرآن في المستشفيات

من جهته، أكد الشيخ عمر العاطفي عجز الطب النفسي عن علاج حالات كثيرة جداً لمصابين بالسحر والعين، من جميع النواحي، مشيراً إلى أن معظم الذين يعالجون بالرقية أكبر دليل على أن الطب النفسي قد فشل في علاج كثير من الحالات التي أساس شفائها القرآن، منوهاً بأن غالبية المرضى النفسيين متأثرون بسحر أو مس أو حسد.

وطالب الشيخ العاطفي المجتمع إلى تغيير نظرتهم للمصابين بالسحر والمس، داعيا إلى تشجيع المريض وتحفيزه على العلاج بالقرآن، مضيفاً: "ومن ينكر وجود السحر فقد أنكر شيئاً من الكتاب"، مؤكداً أن تعميم العلاج بالقرآن سيخفف كثيرا من الأعباء المالية التي تنفقها الدولة على علاج أمراض لا دواء لها سوى كتاب الله.

وتمنى أن يتم تخصيص غرفة في جميع المستشفيات للعلاج بالرقية الشرعية، وأن تذلل كافة المعوقات التي يواجهها الرقاة في المملكة.

الجمع بين العلاجين أفضل

وكشف استشاري الطب النفسي في كلية الطب بجامعة الملك خالد ورئيس فرع الجمعية السعودية للطب النفسي بالمنطقة الجنوبية د.موسى آل زعلة أن 20% من مراجعي مراكز الرعاية الأولية في المملكة يعانون الاكتئاب وفق دراسة سعودية -، مبيناً أن عدد المصابين بأمراض نفسية على مستوى العالم نحو 450 مليون شخص، و120 مليون يعانون الاكتئاب النفسي، و24 مليون لديهم فصام عقلي.

وأوضح أن واحدا من كل أربعة أشخاص عرضة للإصابة بأحد الاضطرابات النفسية في فترة من فترات حياته، وأن 40% عالمياً من عدد المرضى الذين يراجعون مراكز الرعاية الأولية يعانون اضطرابات نفسية.

وقال إن النظرية التي تنص على أن العلاج بالرقية الشرعية قد يؤثر في العلاج النفسي ليست صحيحة، مؤكداً أن الجمع بين العلاجين أفضل، مضيفاً أن: "المس والعين والسحر حق، ولها تأثير على جوانب نفسية وعضوية، والمبالغة فيها ليست من المنهج النبوي".

إلى ذلك، أكد البروفسور والاستشاري في الطب النفسي طارق بن علي الحبيب أن بعض الأدوية النفسية تؤثر في مادة السحر الداخلي "المأكول والمشروب" كالحبة السوداء مثلاً، مضيفاً: "ولكن لا يعني أنها تبطل السحر عموماً، فهي لا تجعل المسحورة تحب زوجها إذا كانت مصروفة عنه بالسحر ولا تمكن المرأة من الحمل إذا كانت مصابة بعقم بسبب عين أو سحر أو قرين".

وأشار إلى أن تجربة بعض الحبوب التي تصرف من قبل الأطباء أثبتت تأثيرها في تهدئة الأمور، خصوصاً أن المريض قد تنهار قواه النفسية والعقلية بسبب المس والعين وشدة الألم والتفكير المضني فيه والوسوسة الشيطانية، حتى يتضاعف عليه البلاء ويتحول المرض إلى صدمات نفسية، ربما تدفعه إلى التصرف بشكل عدواني لا يطاق.

ونوه بمعرفته لأشخاص كانوا يتلقون العلاج عند الأطباء النفسيين ولم يستفيدوا من الأدوية التي كانت تصرف لهم على الرغم من مرور عدة سنوات، إلا بعد استخدام الرقية الشرعية، مشيراً إلى أن أحد المرضى كان يستخدم الحبوب النفسية منذ اثنتي عشرة عاماً، وهو لا يعلم أنه مصاب بمس من الجن!!.

ويرى الحبيب ضرورة أن يجمع المريض بين الرقية والطب النفسي، إذا دعت الحاجة، ولم يوجد أي تعارض بين العلاجين، داعياً المريض إلى استشارة الطبيب النفسي عند رغبته في التوقف عن الحبوب التي تصرف لعلاجه، إذا اتضح أنه مصاب بالعين أو السحر والمس وشعر بالتحسن، معللاً ذلك لخشية المضاعفات عند التوقف عنها بصورة مفاجئه.