«مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب» هي تلك الموسوعة العلمية والثقافية الضخمة التي تحوي المعارف والفنون والتاريخ والقصص والجغرافيا والشعر والإحصاءات التي تتعلق بمكة المكرمة والمدينة المنورة، وقد صنفها ووضعها باللغة التركية العثمانية الرحالة التركي الشهير أيوب صبري باشا المتوفى في عام 1890 الميلادي. وعن دار الآفاق العربية بالقاهرة صدرت مؤخراً موسوعة «مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب» باللغة العربية؛ حيث أشرف على ترجمتها الدكتور محمد حرب بكلية الآداب بجامعة البحرين، وأنجزها إلى العربية في أسلوب رصين وبمنهج علمي فريد العلامة الدكتور حسين مجيب المصري عميد الأدب الإسلامي المقارن في العالم (الذي رحل عن دنيانا في ديسمبر 2004) ومعه تلميذاه الدكتوران عبدالعزيز عوض الله وماجدة مخلوف. وتعد موسوعة «مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب»، وفقاً للباحث والكاتب صلاح حسن رشيد أحد المتتلمذين على يد الدكتور حسين المصري، تحفة عجيبة وآية على تبحر هذا الرحالة التركي في جنبات الأرض ليكشف عن آثار الإسلام الكبرى وحواضره التي قادت الدنيا إلى سكينة الإيمان. تقع الموسوعة في ثلاثة آلاف صفحة من القطع الكبير في خمسة مجلدات، واستغرق تأليفها وجمع مادتها سبعة عشر عاما، حيث قام ايوب صبري باشا بتنقيح مادة كتابه، كما يقول الدكتور مجيب المصري، وانتقاها جيداً، واعتمد على المصادر والمراجع، كما كان يسأل الأحياء من الناس من كبار السن، ليستوثق لمادة كتابه الضخم، ويتحرى الدقة في الوقائع والأخبار والحوادث والأماكن. وقبل الرحالة التركي أيوب صبري كان هناك علماء كثيرون قد ألفوا في تاريخ مكة المكرمة والمدينة المنورة، لكن لم يتوفر لهذه المؤلفات أو لبعضها صفة الجمع أو الشمول لتتحدث عن الحجاز ومكة والمدينة والحرمين مجتمعة معاً، فمن ألف قبله في هذا الجانب لم تتوفر لأعماله صفة الإحاطة بكافة جوانب الموضوع، كما تنقصها الدقة العلمية والتوثيق الأكيد، كذلك كان باعث أيوب صبري باشا على التصنيف ما لهذه البلاد والأماكن من مكانة وقدسية في قلوب المسلمين في المشارق والمغارب على السواء، حيث يقول المؤلف: «أردت أن أخدم الذين ينتمون إلى ديننا»، فالهدف الأساسي إذن من تأليف هذه الموسوعة الشاملة في تاريخ الحرمين الشريفين هو نفع الإسلام والمسلمين عن طريق تعريفهم بأقدس بقعة على وجه الأرض، لأنها قبلتهم ووجهة حجهم وموطن أشرف خلق الله صلى الله عليه وسلم. وقد نالت كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة من اهتمامات الرحالة الكبار ما تستحق الدراسة والبحث المستفيض، حيث تعرضتا للوصف الدقيق والتأريخ الواقعي والإشادة بكل محاسنهما وذكر أسمائهما وموقعيهما عبر كتابات متعددة ومطولة، تؤكد كلها على أهمية هذين المكانين وقيمتهما الحضارية والدينية لدى أصقاع وأبناء المعمورة، فيما يعرف بأدب مكة والمدينة المستقى من عبق الرحالة المسلمين الذين جابوا الأرض التي أظلها نور الإسلام استلهاماً ودراسة وتنقيحاً. ويصف الرحالة أيوب صبري باشا مكة وشوارعها ومنازلها بحسه الترحالي، فيقول: «الذي يرى منازل مكة وبيوتها لأول وهلة بعد الخروج من بين الجبال لا يستطيع إلا أن يشبه هذه المدينة بخزينة مجوهرات وضعت في داخل محفظة خشنة غليظة سوداء، لا يستطيع أن يقدر نفاستها وقيمتها الروحية والحضارية والمعنوية إلا المسلمون».

ويستطرد في تشخيصه الدقيق لمكة بقوله: «شوارعها متوسطة، ومبانيها منتظمة عالية، والذي يرى مكة بعد رؤيته لبلاد أخرى لا يمكنه إلا أن يعجب ويتحير من انتظام مبانيها ودقة ترتيبها». وتنبغي الإشارة الى ان الدكتور حسين مجيب المصري قد توفي في ديسمبر 2004 عن 88 عاما؛ وقد لقب بعميد الأدب الشرقي والإسلامي المقارن والدراسات الشرقية في العالم العربي؛ وقدم للمكتبة العربية عشرات المؤلفات والدراسات مستفيدا من اللغات التي كان يجيدها ويترجم عنها ويكتب بها أحياناً؛ وهي الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والتركية والأوردية والفارسية والروسية وغيرها، كما كانت له إسهامات إبداعية في كتابة الشعر، ومن مؤلفاته البارزة: «من أدب الفرس والترك»، «سلمان الفارسي بين العرب والفرس والترك»، «المسجد بين شعراء العربية والفارسية والتركية»، «غزوات الرسول بين شعراء الشعوب الإسلامية»، «أثر الفرس في حضارة الإسلام»، «القدس بين شعراء الشعوب الإسلامية»، «في الأدب الشعبي والإسلامي المقارن»، «صلات بين العرب والفرس والترك»، وغيرها.