وهكذا ففي نظر الأزهري فإن صفة البداوة و«التحضر» ترتبط بحركة العرب الموسمية، فليس البدو إلا جماعة لها أساليبها في تحصيل العيش والتنقل بين المراعي، ولم ير أن البدو فئة عرقية ذات خصائص دائمة (فمن نزل البادية أو جاور البادين أو ظعن بظعنهم فهم أعراب، ارتباط مفهوم البداوة بالترحال أو الاستقرار هو ما يؤكد عليه بعض المؤرخين يذكر جواد علي أن الأعرابية ليست إلا حاصل هذه الطبيعة الصحراوية وحاصل الانعزال بعيداً عن الحضر في البادية فنشأ هذا الفرق بين البدوي والحضري ولولا ذلك لما كان هناك فرق 20.

وتضم مشاهدات الأزهري إفادات عن الحياة النباتية والحيوانية في الصمان والدهناء وما جاورهما من مرابع البادية وإشارات إلى خواص بعض النباتاتوأهميتها لأبن البادية، سواءً ماله قيمة رعوية كعلف للحيوانات والنعم مثل حشائش الخلة والحمض 21 والتي لا تستغني عنها الإبل ومن ذلك نباتات الرمث والرغل والعكوش 22، كذلك يشير إلى ما يؤكل من تلك النباتات البرية مثل الحمصيص والحماض والنهق 23 والفت 24، ومن تلك النباتات ما له خصائص عطرية كالحوذانة، إما يستخدم للتنظيف فيذكر ورق الأرطي الذي يدق ثم يوضع في السقاء لتنظيفه وتطييب رائحته وورق السدر ويستخدم كغسول، كما تستخدم قشور وأوراق بعض النباتات لإيقاظ النار، ومن إفادات الأزهري نفهم أن البيئة النباتية قد زودت ابن البادية ببعض احتياجاتها البسيطة، والمؤرخ بلا شك معني بإبراز ذلك التفاعل بين الإنسان البدوي في الجزيرة العربية وبين بيئته التي تكيف معها واستثمر مواردها.

أما الحيوانات فقد تضمنت مشاهداته وإفاداته معلومات عن الإبل والأغنام أعلافها وأحوالها وأدوائها وغير ذلك، ولا غرابة في ذلك فقد كانت للإبل والأغنام محل عناية البدو ومحور حياتهم الاقتصادية والمعيشية، وقد أورد معلومات عن حيوانات أخرى ومنها السحالي والحشرات ومنها الزواحف النتشرة في البيئة الصحراوية كالورل والضب وأم حبين وأشار إلى أن لحم الورل درياق (أي دواء للسموم) (والنساء يتسمن بلحمه) يورد الأزهري أقوالاً وأمثالاً ومأثورات عن الأعراب يمكن اعتبارها مما يردده ابن البادية آنذاك ومن ذلك:

  • يقول سمعت أعرابيا يقول: «الأخذ سريطي والقضاء خريطي25» ومعنى ذلك أنت تحب الأخذ وتكره الإعطاء.

  • «هذه العنوق بعد النوق26» يضرب مثلاً للذي ينحط عن رتبته فراعى الإبل قوي ممتنع وراعي الشاه ذليل.

  • «أبيض قرقوف بلا شعر ولا صوف في البلاد يطوف27» ويقصد به الدرهم الأبيض.

ويرصد الأزهري قدراً مما يستخدمه السكان في البادية وكذا الأرياف والواحات التي ينزلونها أوقات القيظ، من آلات وأدوات بسيطة استخدمها إنسان البادية كالسياط المصنوعة من جلود الإبل28، والعلق والبكرة والمحالة29 وهي مما يستخدم لإخراج الماء من البئر، والعكوم وهي الأحمال والأعدال التي توضع فيها الأوعية30، والقفة التي يوضع فيها الزاد31، كما يرصد الأزهري ألعاباً يقوم بها الصبية وغيرهم32 وأحاجي33 وأناشيد34 يسلو بها أبناء البادية ويلتهون في ظل عيش غير مستقر ومعاناة لا تخفي، والاستقراء يدل على أن لدى الأزهري – وغيره من اللغويين معلومات عن أحوال السكان وعن البيئة الجغرافية والنباتية التي يهم المؤرخون معرفة أثرها في حياة الإنسان كيف تكيف مع ظروفها،وما هي الموارد البيئية التي استخدمها، هذا في حين أننا لا نجد معلومات تمس الأوضاع السياسية لا عن الزعامات القبلية ولا عن شيوخ البادية، ولا عن التجربة السياسية والقضائية لأولئك البدو فهؤلاء اللغويين تحكمهم أغراض الجمع بالدرجة الأولى.

ونشير هنا إلى تطور حدث في نظرة اللغويين إلى البادية بعد الأزهري حيث لم يعد النظر إلى البيئات البدوية على أنها مهد اللغة الفصحى فابن جنى (ت 392 ه) يقول في كتابه الخصائص (لا نكاد نرى بدوياً فصيحاً وأن نحن آنسنا منها فصاحة في كلامه لم نكد نعد ما يفسد ذلك ويقدح فيه وينال ويغض منه 35).

ثم توارت الفصاحة وتوارى أدب اللغة الفصيح في تلك البوادي وهو تحول اجتهد بعض الدارسين في تحديد بدايته ونشأته36 ومازال الأمر بحاجة إلى بحث ونقاش، وأياً كان الأمر فإن هذه التطورات الثقافية اللغوية قلصت بل وأقفلت ما كان يرد إلينا من أقوال ومأثورات من البادية العربية لاسيما منطقة قلب الجزيرة العربية. وخلاصة القول: إن بعض المصادر اللغوية باتجاهاتها التأليفية المختلفة (أجزاء مفردة، معاجم عامة، نوادر وأمالي). تضم مواد عن أحوال سكان البوادي وعن البيئات البدوية العربية، مما يجعل منها مصدراً لجوانب من أحوال السكان البدو خاصة في شرقي الجزيرة العربية وبوادي نجد، رغم ما يشوب بعضها من عدم انتظام المواد العلمية وفقدان شخصيات الحادثة وأبعادها الزمانية والمكانية وإن عرف الإطار العام الذي تجري في سياقه تلك النوادر والفوائد.ولكي يقترب الباحث بصورة أكثر دقة وموضوعية من دراسة الظواهر التي ترتبط بحياة البادية فإن عليه أن ينطلق من رؤى منهجية مدروسة تأخذ بعين الاعتبار مناهج الدراسات الاجتماعية ومنظور الجغرافيا التاريخية، ودراسات ابن خلدون وغيره عن ظاهرة البداوة والظواهر المرتبطة بها، لقد جاءت مدونات الغويين في زمن جمع ألفاظ اللغة لتحقيق ذلك الهدف، هذا هو العمل المقصود الذي أطَّر أعمالهم، لكننا معاشر المؤرخين سوف نخرج بحصيلة جيدة من الإفادات والمشاهدات ذات الدلالات التاريخية من تلك المدونات إذا توفر الباحث الدؤوب ذو الثقافة المنهجية المتنوعة.

الهوامش

٢٠ - جواد علي، تاريخ العرب في الإسلام، بيروت، دار الحداثة، ط 1، 1983 م، 90.

21 - تهذيب اللغة 8/ 98، 3 / 301.

22 - تهذيب اللغة 8 / 98، 3 / 301.

23 - 4 / 270، 224، 5 / 402.

24 - 1 / 94 وألفت من الحبوب البرية يأكل منه أهل البادية إذا عدم القوات من لبن وتمر وفيه خشونة. تهذيب اللغة 1/94، الزاهر في غريبألفاظ الشافعي، 240

25 - 12/330.

26 - 1/255

27 - 9/ 217

28 - 5/47

29 - 1/ 242

30 - 1/ 328

31 - 8/295

32 - 15/436، 2/84

33 - 3/ 418، وانظر مثالاً عن اختبار القدرة على ترديد الألفاظ المتقاربة، 15 / 200.

34 - 1/ 202.

35 - 2/ 5

36 - انظر مثلاً: أبو عبد الرحمن بن عقيل: تاريخ نجد في عصور العامية، ديوان الشعر العامي بلهجة أهل نجد، 15 – 52، سعد الصويان، الشعر النبطي ذائقة الشعب وسلطة النص، 106.