جامعاتنا الإسلامية العملاقة (الإمام) و(أم القرى) و(الإسلامية) وغيرها بكل ميزانياتها الضخمة، ومبانيها العملاقة، وعلمائها الأفاضل والأفذاذ فشلت حتى الآن في إنجاز أهم مشروع يهم الأمة الإسلامية، ويأتي من حيث الأهمية في المرتبة الثانية بعد إنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف، والذي يبدو لي أن جامعاتنا الإسلامية ليس في بلادنا فحسب، بل في العالم كله أصيبت بداء عصور (الانحطاط الأوروبي) في التعامل مع تراثها، ذلك الداء الذي يسمونه المنهج المدرسي (السكولائي) والذي من سماته عشق التكرار وتقديس الأدوات والطواف بها، وتحويل الوسائل إلى غايات، جامعاتنا تمارس ذلك في التعاطي مع منهج مصطلح الحديث بتضخيمه لا تفعيله وتطبيقه عمليا، وإذا استمر الحال فسيتفرع إلى علوم غاية بذاتها، وستزداد هذه العلوم وتنتفخ مع الأيام ليتم تداولها في بروج عاجية لا علاقة لها بالواقع.

هل أنا بحاجة إلى تذكير أساتذتي الأجلاء القائمين على تلك الجامعات أن علماءنا العباقرة عندما شيدوا ذلك المنهج النقدي الدقيق لم يهدفوا إلى أن يتغنوا به ويزخرفوه، أو يفاخروا به الأمم والطوائف الأخرى، أو ليقال عنهم (علماء عباقرة)، أو ليقولوا للعالم: هل لديكم مثل صرامة هذا المنهج ودقته؟ إطلاقاً.

رحمهم الله ما أورعهم وأروعهم، فالمباهاة لم تكن ضمن أجندتهم، بل كانوا يهدفون من ورائه إلى نقد تراثهم هم قبل تراث غيرهم، وفحص ذلك التراث وتمحيصه، وإبعاد ما ألصق به من خرافات وأكاذيب وتزوير، وليس الطواف و(اللف والدوران) حوله.

أليس من المعيب بجامعاتنا العملاقة في عالمنا الإسلامي كله أن تتخاذل عن هذا المشروع؟ لدينا عشرات الآلاف من النصوص المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم تنتظر الفحص والتخريج والتدقيق. فما الاسم الذي تستحقه جامعات إسلامية لا حصر لها لم تقم حتى الآن بتصفية الأصل الثاني للإسلام (السنة)؟ وما عذرها؟ يبدو أن تلك الجامعات تغط في سبات عن المشاريع الكبرى، أرجو أن لا أكون في مقالي هذا كمن يكلم نفسه. أرجو أن يكون الأمر عكس ذلك، لا سيما وأنه مشروع لا يحتاج إلى مليارات أو مناقصات يسيل لها لعاب الشركات، ولا إلى مقرات ومهرجانات وحفلات ختامية ووجاهة، بل يحتاج إلى نيات مخلصة، وتكليف واع ثم متابعة إدارية جادة، فالذي يمارس هذا التخصص يدرك أن العاملين فيه هم أبعد الناس عن الأضواء والشهرة والحفاوة.

لن أمل من التذكير بهذا المشروع، ولن أتوقف عن الكتابة فيه وطرق كل الأبواب المتاحة إن شاء الله، لأنني لا أرى مشروعا إسلاميا يوازيه أهمية، فالفتاوى التي تتأسس على أحاديث ضعيفة تتعاظم، والضحية هي الأمة التي تتشرذم.

ولذا سأتوجه برجائي إلى صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية من خلال جائزته لخدمة السنة، ولأن له لقبا يطيب لأحبابه أن ينادوه به (خادم السنة)، يغريني هذا اللقب، ويحملني على أن أناشده به وأناشد القائمين على جائزته فأقول: تخيلوا أنفسكم تنجزون لأمة محمد عليه السلام هذا المشروع الذي عجزت عنه الجامعات الإسلامية من أقصى المعمورة إلى أقصاها.. تخيلوا أمة محمد صلى الله عليه وسلم تجعل مشروعكم هذا مرجعا لها؟

أما الأبهى والأجمل من ذلك: فتخيلوا أنفسكم غدا بين يدي نبيكم الله صلى الله عليه وسلم وهو يحتفي بكم مناضلين عن سنته، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا جاه.