حينما قيل للشاعر العجاج: لمَ لا تهجو؟، قال: إنَّ لنا أحساباً تمنعُنا أن نُظلَم، وأحلاماً تمنعُنا أن نَظلِم، وهل رأيتم بانياً لا يُحسن أن يهدم؟ ثم قال: أتعلمون أني أُحسنُ أن أمدح؟ قيل: نعم، قال: أفلا أُحسن أن أجعل مكان "أصلحك الله" "قبحك الله"، ومكان "حياك الله" "أخزاك الله"؟!

هذا ما قاله العجاج عن الهجاء، فهو يؤثر الابتعاد عن الهجاء والالتجاء إلى طريق الحِلم والحكمة، لا لصعوبة ذلك الغرض ولا لخوفه من نتائجه الوخيمة، ولكن لأن الهجاء كما يذكر مثله مثل المدح وسائر الأغراض التي لا يُمكن أن تصعب على الشاعر المبدع، ولكنه يرى بأنه من الأجدى والأفضل للشاعر الابتعاد عنه؛ أما الشاعر ناصر الفراعنة فقد آثر في أمسيته الأخيرة طريق الهجاء، مع أنه كان أمامه أكثر من طريق ليسلكه قبل إلقاء تلك القصيدة الهجائية المُحملة بالشتائم، والتي أعتقد أنها أسوأ ما كتبه الفراعنة في مرحلته الأخيرة، فتلك القصيدة التي ألقاها في أمسيته التي تم افتتاح أمسيات مهرجان صيف حائل السياحي بها تُعيده إلى مرحلة التخبط الشعري التي عاشها ويعيشها بعض الشعراء في بداية طريقهم مع الشعر.

ولا أظن بأن الفراعنة عندما ألقى قصيدته تلك يجهل مقولة (لكل مقام مقال) التي طالما ترددت على مسامع الجميع بمناسبة وبغير مناسبة، كما لا أعتقد بأن الأيمان المغلظة التي حاول أن يبرر بها هجائيته تشفع له بإلقائها -مهما كان دافعها- في مهرجان سياحي ترفيهي يأتي له الناس للاستمتاع والاستماع لأدب شعري يليق بأسماعهم، وباسم الشاعر ومكانته الشعرية التي دُعي من أجلها !

ولو افترضنا لشعر الهجاء قيمة أو فائدة يُمكن أن تعود على الشاعر – أي شاعر – فإن الطريق الأنسب لنشرها وإذاعتها بين الناس ليس منصات الأمسيات الشعرية، فقد نجد العذر للفراعنة وغيره من الشعراء لو جاءت قصائدهم الهجائية عن طريق مواقع الإنترنت التي لا يحكمها نظام، أو تم تداولها بواسطة البلوتوث أو أي وسيلة أخرى لا تتعرض لمقص الرقيب، لكن الخطأ الفادح في رأيي هو أن يسمح الشاعر لنفسه بالهجاء وكيل الشتائم في الأمسيات الشعرية مهما كانت مبررات الهجاء، ومهما كان المهجو مُستحقاً للهجاء.

أخيراً يقول الشاعر المبدع محمد بن عباد السلولي:

يدفع الظالم على ظلمه قسيمه

لو يطول الوقت ما فيها سماحي

كم منعم زال من ظلمه نعيمه

وكم كيانٍ من دمار الظلم طاحي

والسعد لا هب للمومن نسيمه

طاب حظه في الغدو وفي الرواحي

ومن برك حظه يلاوي بالشكيمة

لين تنزف من حلايقها الجراحي