في أدبنا العربي احتار الأدباء والنقاد أمام ما أسموه "الشوارد"، وهي تلك الأبيات المتناثرة في كتب الأدب والمنقولة عبر رواة القصيد وحفاظ الشعر، إلا أن هذه الشوارد مع رواجها وانتشارها ظلت مبهمة لا يعرف قائلها وإلى من تنتسب إليه بل لقد تناقلها الشعراء، فمنهم من أضاف لها أبياتاً من بنات أفكاره، ومنهم من جاراها بأبيات مماثلة، ومنهم من عارضها، وبعضهم حاكاها أو اقتبس منها.

هذه الأبيات "مجهولة النسب" لم ترتبط بزمان أو عصر معين، فتجدها في العصر الجاهلي وصدر الإسلام والعصر الأموي والعباسي، لكن النقاد والعارفين بالأدب ونصوصه وتاريخه يستطيعون التمييز بين ما قيل في هذا العصر أو ذاك لاسيما ما قيل في العصر الجاهلي، وما قيل في العصور الإسلامية لاختلاف الثقافة والبناء الفني للقصيدة.

ولأن الآداب الشعبية يسري عليها ما يسري على سابقتها من الفنون الأدبية الفصحى لاسيما الفنون الشعرية، فإنك حتماً ستجد وأنت تقلب كتب أو دواوين الأدب الشعبي أن ثمة أبياتاً "شوارد" لا يعرف لها قائل، أو أنها تنسب لأكثر من شاعر وقد تجدها متداولة وبين ألسنة العامة، بل كثيراً ما اُستشهد بها في مواقف متعددة وظروف متباينة، ولعل أقرب مثل لهذه الحالة الشعرية هي قصيدة الشاعر الكبير بدر بن عواد الحويفي التي استشهد بها رئيس تحرير هذه الصحيفة الأستاذ تركي السديري في إحدى مقالاته عن ظروف المجتمع السعودي في بداية اكتشاف النفط والتي يقول فيها الحويفي:

يعبيد من ينشدك عناسكان في رأس تنوره

من فوق سفن يشلناعمال والنفس مخطوره

شط البحر قبلتن عنابديار من يلعب الكوره

قل للبني لا يتباطنايمضي الحول ونزوره

قله ترانا تمدناكلن يولع بدافوره

قلبي على شوفكم حناوحالي من البعد منسوره

ورغم أن هذه الأبيات ظلت لدى كثير من النقاد والمعنيين بالشعر الشعبي في الجزيرة العربية مصدر إعجاب وإلهام لألسنة الشعراء الذين غمروها مجاراة ومحاكاة لأبياتها المعدودة إلا أن الكثير ما زال ولا يزال يسأل عن صاحبها، ومتى قيلت؟ وما مناسبتها؟ ولهذا بل وبحكم صلة القرابة والرحم بيني وبين "خالي" الشاعر بندر بن عواد الحويفي، فإنني استميح الشاعر الكبير في إيضاح مناسبة القصيدة لإخوتي المهتمين بآدابنا الشعبية في الجزيرة العربية، ولذا أقول إن هذه القصيدة قيلت في أوائل السبعينات الهجرية من القرن المنصرم حين كان الشاعر ومجموعة من زملائه يعانون شظف العيش، ويعملون في مشروع أرامكو بعيداً عن ديارهم وأهلهم في بوادي منطقة القصيم، وكان عبيد المذكور في القصيدة قد عزم على الذهاب للقصيم وحمل معه هدايا ورسائل زملائه لذويهم ما عدا بدر الحويفي الذي سلمه شفهياً وقت مغادرته هذه القصيدة التي طربت لمسمعها الآذان، وسارت بأبياتها الركبان.

حسين بن محمد العساف