أعجبت كثيرا بالنقد الأدبي للكاتب علي أحمد سعيد الذي يسمى (أدونيس) وقرأت معظم كتبه.. بعضها لعدة مرات، لكنه صدمني بغل طافح بين جنبيه ضد كل ما يمت لإسلامنا الذي يصفه ب(إسلام الأكثرية)، غل أججه انتشار الإسلام السريع في أوروبا، والذي أحاله إلى كائن مهووس بالهجوم على كل ما هو إسلامي، ومما زاده كراهية رؤيته لنفسه وهو يهرم بينما يرى إسلام الأكثرية يتجدد شبابا، وأين؟ في أوروبا صانعة الحداثة التي يلتصق بها!! يهاجم أدونيس فترة البعثة وعصر الخلفاء الراشدين، ويهاجم أي فكر يرى فيه رمزا وإضاءة!  تلك الفترة الإسلامية التي باعتراف الغرب لولاها لما خرجوا من عالم الظلمات وقرونها الوسطى المرعبة إلى ما هم فيه اليوم، هذا الكاتب استفحلت حالته لدرجة الوسوسة، فصار يرى كل جميل في تلك الفترة قبحا، بدءا من مقولته المضحكة في أول أسطر رسالته للدكتوراه ومقولته الطائفية إن (السقيفة تآمر وتعيين للأقوى لا الأحق) وهي فرية رددت عليه فيها، فرأيته يحاول الترقيع في آخر كتبه بطريقة مضحكة، مرورا بقوله إن رسالة التوحيد فصل للسماء عن الأرض، على عكس الوثنية (ولا أدري ما الذي أنجزته الوثنية العربية وأصنامها للأرض مئات السنوات قبل الإسلام؟)، ثم كارثته التي يرى فيها الخوارج القتلة والقرامطة الإرهابيين الذين سفكوا دماء الحجيج وسرقوهم وبقروا بطون الحوامل، هؤلاء في نظره رموز حداثية مبدعة.

أدونيس في واحد من أواخر كتبه وبلغة سوداء يصف شعر فترة النبوة والعهد الراشدي قائلا: (الشعر الذي سمي «إسلامياً»، في العهد الإسلامي الأول، كان رديئاً وضعيفاً جداً، من الناحية الفنية - الجمالية، وأنه لم يترك أي أثر طيب في الشعر العربي، لا من حيث الصناعة، ولا من حيث الذائقة، وأنه اضمحل وانطفأ من تلقاء ذاته. لم تقبله، من جهة، أذواق المسلمين أنفسهم، ولم يدخل حتى إلى نفوس المؤمنين بينهم. وكان، من جهة ثانية، مجرد إناء قبيح يملأ بأفكار قرآنية جميلة) أي كراهية تملأ هذا الرجل!!

هل تخلى أدونيس عن عقله، أم أن قلمه الطائفي جعله يناقض كتاباته الرائعة حول الشعر في (كلام البدايات 20) حين رفض حتى مجرد تقسيم الشعر إلى فترات، كما رفض الحكم على شعر فترة زمنية بحكم واحد دون تمييز بين نصوص تلك الفترة الشعرية! معتبرا من يفعل ذلك مفسدا للنقد وطامسا للشعر، واصفا إياه بأنه صاحب رؤية سطحية و(تبسيطية تقسم الشعر إلى عصور تاريخيه، وفقا للزمن التسلسلي الخطي، والحق أن زمن الشعر عمودي لا أفقي، فأبو تمام أقرب إلى امرئ القيس أكثر مما هو زهير بن أبي سلمى قريب إليه، إضافة إلى أن مثل هذه النظرة تلحق زمن الشعر بالزمن السياسي، وإلى أن استخدام كلمة عصر للفترة الجاهلية، وللفترة الإسلامية، وللفترة الأموية، وللفترة العباسية، دون تمييز وفي المستوى نفسه يخلط القيم الشعرية خلطا يحجب، في النهاية الشعر نفسه) ويقول أيضا إن هذه الأحكام المتهورة (أفسدت النقد الشعري وحجبت اللغة الشعرية).

هل أصيب أدونيس بالخرف؟ من يصدق أن النصين السابقين لناقد واحد؟

من يقارن بين كلامه هذا والذي قبله يدرك أي دجل يسوقه باسم الحداثة. ثم أليس الشعر الإسلامي هو أول شعر عربي إيديلوجي؟ أولم يمتدح أدونيس الشعر الإيديلوجي الواقعي بقوله: (فليس الانحياز في الشعر أن يسوغ أو يدافع، أن يمدح أو يهجو، أن يعلم ويبشر، وإنما أن يغير الطريقة السائدة في رؤية الحياة والعالم، والتي عبر تغييرها مجازيا تنشأ صور وطاقات لتغيير العالم ماديا) فما هو (يا أدونيس) أول شعر فعل ذلك قبل الشعر الإسلامي؟ من غير شعر عهد النبوة الإسلامي (عربيا) تحدث لأول مرة عن تصور جديد للإنسان والكون والحياة، بل وما بعد الحياة، وعن مفهوم الدولة والعدالة في الحكم والإمامة والجهاد والسياسة والفتوح وغيرها وغيرها؟ أي شعر أنجز ذلك قبل الشعر الإسلامي؟

أخيرا: هل شعر كعب بن زهير وحسان بن ثابت والحطيئة ومالك بن الريب وغيرهم من كبار المبدعين وروائعهم الشعرية آنية قبيحة؟ أجل، ولكن في حالة واحدة: إذا كان الناقد هو أدونيس، الذي لا يزال مثقلا بطائفيته.. عاجزا عن اختراقها وتجاوزها.