تقرر تحويل شارع المعز إلى أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية في العالم في سابقة جديدة للقاهرة لإعادة رونقها المعماري وطابعها الأثري بعد أن فقدت المدينة القديمة أكثر من 40٪ من نسقها المعماري وملامحها الأثرية. أمجاد وطابع شيده الفاطميون تعود الآن إلى الخريطة العالمية تحمل بين طياتها عبق الحضارة والتاريخ الإسلامي وذلك بإزالة علامات إهمال الزمن وغدر الأيام ضمن مشروع كبير طرحه الرئيس محمد حسني مبارك لتطوير القاهرة التاريخية والثقافية.

يقول فاروق حسني وزير الثقافة إن البعض اعتقد أن الاهتمام ليس وليد اليوم بل إن هذا الاجتماع هو الرابع في سلسلة اجتماعات منذ أن انطلق المشروع عام 1998 وحتى اليوم في محاولة لإنقاذ 210 آثار تضررت في زلزال 1992 وذلك على أربع مراحل.

وحتى يكون لنا في يوم من الأيام ما نستطيع أن نفتخر به في مجال الآثار الإسلامية وهذا ليس كلامنا ولكنها شهادة حق جاءت على لسان حشد من علماء وخبراء اليونسكو جاءوا منذ عامين للوقوف على حقيقة المشروع وتقييم ما يتم من ترميمات في الآثار الإسلامية. ناقشوا كل شيء بكل صراحة: المواد المستخدمة في الترميم: أسلوبه، فلسفته، سرعة العمل وحتى القائمين على العمل وانتهوا إلى شهادة أن ما يتم إنجازه في مشروع القاهرة التاريخية يُعد إنجازاً يحسب لمدرسة الترميم المصرية. ليس هذا فحسب بل طالبوا بمضاعفة الجهود ودفع وتيرة العمل إن أمكن - بسرعة أكبر لإنقاذ الآثار الإسلامية الباقية وهو مطلب يخالف ما جاءوا إليه أصلاً»!

يضيف الوزير فاروق حسني أنه لا يجب النظر إلى منطقة القاهرة التاريخية على أنها منطقة أثرية فقط لأننا بذلك لن نعطيها حقها بالكامل، فهي منطقة اقتصادية بالدرجة الأولى ومركز لتجارة الجملة لكثير من السلع. ومن هذا المنطلق فمشروع تطويرها يهدف إلى تحويلها إلى تعاون ترويجي تراثي تجاري وأيضاً اقتصادي من خلال إعادة تأهيل كل مفردات المنطقة من شوارع ومبان بتحويل الكتاتيب والخنقاوات والوكالات إلى متاحف ومعامل ثقافية.

٭ ولكن الناس متخوفة وتعتقد أن المشروع ضد أرزاقها؟

  • الذي يجب أن يعرفه أهل المنطقة هو أن المشروع موجه أساساً لهم فنحن كفلسفة عمل في الوزارة لسنا ضد أن يتعايش الناس مع الأثر ولكن السؤال هو كيفية هذا التعايش وصورته، إذ يجب أن يتم ذلك بصورة تحافظ على الأثر ولا تضره.

٭ إنشاء نفق الأزهر كان أساساً لخدمة مشروع تطوير القاهرة التاريخية وتمهيداً لإلغاء الكوبري وتحويل الشارع للمشاة فقط كما ترددون دائماً. ومرت السنون ولا جديد. افتتح النفق وبقي الكوبري.

  • هذا الكلام غير صحيح ولا رجعة حتى الآن عن إزالة كوبري الأزهر وسوف تعقد اجتماعات قريباً بين الأطراف المعنية ووزارتي الثقافة والإسكان والمرور ومحافظة القاهرة من أجل الحلول على الأرض بعد إزالة الكوبري. وفيما يتعلق بتحويل الشارع لمرور السيارات نهاراً، وليلاً، يغلق للمشاة فقط.

وهذا كله يأتي في إطار تصور أشمل وأجمل للقاهرة في الفترة القادمة.. القاهرة الكبرى التي يستطيع الزائر أو السائح أن يتجول نهاراً بين متاحفها الرائعة التي أعدت بأحدث تقنيات العصر في المتحف المصري الكبير المزمع إنشاؤه بأول طريق الفيوم ومتحف الحضارة بالفسطاط والمتحف المصري لروائع الفن المصري القديم بميدان التحرير ومتحف محمد علي باشا بشبرا ومتحف الأديان السماوية المتمثل في جامع عمرو بن العاص والكنيسة المعلقة ومعبد عيزرا. هذا كله نهاراً وليلاً يستطيع السائح أن يقضي أمسية رائعة يستمتع فيها بمشاهدة أكبر متحف مفتوح في العالم للآثار الإسلامية بشارع المعز الذي سيكون للمشاة فقط. كما يستمتع بحفلات في بيت الشعر وبيت الموسيقى وبيت العود وهي بيوت أثرية أُعيد تأهيلها.

٭ المشروع بدأ منذ 8 سنوات أين يقف الآن؟

  • يقول فاروق عبدالسلام وكيل أول للوزارة في مكتب الوزير: «المشروع يقف الآن على أرضية صلبة. بدأنا في 1998 بمشاكل ومعوقات لا حد لها. الآن نفتخر بأن لدينا مدرسة عالية المستوى في ترميم الآثار الإسلامية شهد لكفاءتها العالم. كما أن لدينا العديد من مشروعات ترميم الآثار فمن السهل أن تنشئ مبنى مهما كان ذلك صعباً فنياً أو مالياً ولكن الصعوبة الحقيقية تكمن في ترميم أثر لأنك تتعامل مع مجهول بالنسبة لك ولابد أن نتعامل معه بكل حرص، ولذلك من الصعب أن نلزم شركة مثلاً بضرورة الانتهاء من ترميم أثر خلال فترة معينة فلابد من المرونة لأنك تتعامل مع كيان حي هو الأثر نفسه.

ويقول د. زاهي حواس أمين عام المجلس الأعلى للآثار، إن مشروع تطوير القاهرة التاريخية يتم على 4 مراحل لإنقاذ 210 آثار يجري العمل في ترميم 150 منها. وقد انتهى ترميم 29 أثراً وأصبحت معدة للافتتاح ويجري العمل لإنهاء 22 أثراً بإجمالي 61 أثراً خلال العام المالي الحالي، فنحن إذن أمام معدل إنجاز رائع. ومن الروائع التي أنجزت وأصبحت معدة للافتتاح منطقة النحاسين وتتضمن مدرسة السلطان برقوق ومدرسة الناصر محمد وقاعة محي الدين أبو الصفا وحمام السلطان اينال، كذلك متحف النسيج الإسلامي الذي سيكون شيئاً رائعاً يضاف إلى المنطقة. كما أن لدينا 20 مسجداً أثرياً تم الانتهاء من ترميمها وأصبحت معدة أيضاً للافتتاح ولممارسة الشعائر الدينية فيها ومنها «السلحدار» و«برقوق» و«الناصر برسباي» و«القاضي يحيى» و«أم الغلام». كل هذه الآثار تكلفت 200 مليون جنيه وتمثل الآثار الخاصة بالمرحلة الثانية وقد بدأنا في آثار المرحلة الثالثة ونعد في الوقت نفسه دراسات المرحلة الرابعة لذلك فحجم الإنجاز رائع يفوق التوقعات. يكفي أن أقول لك إن آثار شارع المعز لدين الله والتي تبلغ 33 أثراً قد تم الانتهاء من ترميمها تماماً باستثناء أثر واحد هو زاوية أبو الخير الكليباتي التي سيبدأ فيها العمل فوراً وكان التأخير لأن حالتها جيدة مقارنة بغيرها من آثار الصرف الصحي من شمال المنطقة إلى وسطها من مستشفى جلال إلى شارع الأزهر إضافة إلى الخط الرئيسي من شارع جلال. المشروع بدأ منذ سنوات والجديد أنه أصبح برنامج الحكومة ككل وليس برنامجاً خاصاً بوزارة الثقافة فقط.

٭ هل نرمم الآثار ونغلقها أم ماذا؟

  • هناك من الأثر ما هو صاحب وظيفة ثابتة مثل المساجد والزوايا المرتبطة بأنشطة دينية وهذه تفتح لممارسة الشعائر الدينية بعد انتهاء مشروعات ترميمها وتكون في الوقت نفسه متاحة للزيارة السياحية. ولكن هناك بعض المباني الواجب استخدامها بعد ترميمها ضماناً لاستمرار صيانتها على سبيل المثال الأسبلة بشارع المعز فيه العديد من الأسبلة فكرنا في إعادة تأهيلها لكي تساهم في الارتقاء الاجتماعي بسكان الشارع، فعلى سبيل المثال يوجد في شارع المعز أسبلة «محمد علي» بالنحاسين و«السلحدار» و«عبدالرحمن كتخدا» و«المظهر» و«حسين الشعيبي» و«نفيسة البيضاء».

هذه الكيانات الأثرية لابد من إعادة استخدامها خاصة أن الأسبلة كانت في عصر محمد علي باشا كبيرة الحجم لإضافة المدارس بها. لذلك تقرر تحويل سبيل محمد علي بالنحاسين إلى متحف للنسيج الإسلامي مع مراعاة عدم إدخال أية تعديلات على ملامح المبنى من الداخل أو الخارج أو بنقوشه وزخارفه.. واستخدمنا أحدث تكنولوجيات العصر لإنشاء متحف فريد في نوعه روعي فيه الفراغات ومواد البناء والحرارة والرطوبة والضوء والأشعة لأنك تتعامل مع نسيج أي مادة عضوية تتأثر بكل هذه العوامل.

سبيل السلحدار نفكر حالياً بتحويله ليكون المركز الثقافي للقاهرة كمدينة تاريخية يجد فيها كل مهتم بالقاهرة التاريخية أية معلومة يريدها في الماضي والحاضر، عمارتها قديماً وحديثاً. وقد اكتشفنا صهريجاً ضخماً أسفل سبيل السلحدار ولحسن الحظ أنه جاف نفكر باستغلاله ليكون نموذجاً حياً لصهاريج القاهرة الفاطمية. هناك نموذج آخر لإعادة توظيف واستخدام الآثار الإسلامية لكي يعود الزائر إلى القرن العاشر الميلادي ويشاهد كيف كان يعيش سكان القاهرة وكيف كانوا يدافعون ويحصنون مدينتهم وما هي المعارك التي خاضوها. هذا المتحف سيتكامل مع متحف النسيج الإسلامي لخدمة شارع المعز الذي كان يخلو إلى وقت قريب من أية متاحف.

نأتي لشارع المعز نفسه، فهو كشارع يحتاج إلى إعادة تأهيل.. فالمعروف أن الشارع عمره ألف سنة ولم يتغير. ولذلك فهو أقدم شارع في مصر ومن الأقدم على مستوى العالم. منسوب الشارع تعرض للارتفاع أكثر من مرة وزاد من الستينيات حتى الآن بمعدل مترين بسبب الرصف وإعادة الرصف. وما نخطط له هو العودة إلى المستوى الأصلي للشارع أي ببساطة نقضي على مشكلة ارتفاع المنسوب والعودة إلى البلاط «البازلت» الذي كان يستخدم في تعبيد الشارع. ولكن لكي نصل إلى هذه الخطوة لابد أن نعرف بداية ما هو في باطن الطريق. لأن المرافق منهارة ومتداعية لذلك لابد من مراجعة كل شبكات المرافق.