علاقة الإنسان بالمناخ علاقة وطيدة لا تنفك أبداً تتخذ أشكالا متنوعة من مناخ منعش إلى مناخ قاتل، وتتلخص هذه العلاقة الأزلية في عدة نقاط منها(درجة الحرارة -نسبة الرطوبة -حركة الرياح)، وأشعة الشمس تمثل الترس الرئيس المحرك لهذه العملية.

شهدت المملكة هذا العام موجه عنيفة من الأتربة على فترات متفاوتة تستمر بين الفينة والأخرى على مدى أيام، وتوقع الفلكيون أن تتسم الفترة المقبلة بارتفاع ملحوظ في درجة الحرارة مع هبوب رياح شمالية إلى شمالية غربية مثيرة للأتربة بشكل متقطع، ويصاحب ذلك معدلات عالية لدرجات الحرارة تصل إلى 50 درجة مئوية على الأسطح البيضاء ورمال الصحراء وتتفاوت بين 50 إلى 60 درجة على الأرض بحسب طبيعتها، ودفعت هذه التغيرات المناخية السريعة الجميع لمتابعة نشرات الأحوال الجوية بشكل مستمر.

المعادلة الطقسية تعيش مرحلة تغير

في البداية يحذر الفلكي خالد الزعاق من المرحلة المنتظرة التي تتوقع كما تشير التقديرات أن يعيش العالم مرحلة تغيرات حادة وغير مسبوقة في المعادلة الطقسية، وهو ما تجسد في كثرة الأعاصير العنيفة في أماكن متعددة وغزارة الأمطار وجفاف الأراضي في أماكن أخرى، وارتفاع أو انخفاض درجات الحرارة في بقاع ثانية، والعواصف الغبارية التي تنتابنا بين آن وآخر تعد جزءاً من هذه التغيرات، كما تشير الدراسات الحديثة إلى ازدياد درجات الحرارة العامة للأرض خلال القرن الماضي بحوالي درجة واحدة، كما دلت الدراسات الأخيرة التي شملت جميع المناطق بالمملكة خلال فترة العقود الأربعة الماضية إلى وجود ازدياد في درجات الحرارة بمعدل قريب من المعدل العالمي، علاوة على وجود انخفاض حاد في درجات الحرارة أيضاً.

وفي المملكة، حدثت ظواهر غير متوقعة كانخفاض درجات الحرارة إلى معدلات شتوية في فصل الصيف في بعض المناطق، وارتفاع الحرارة إلى معدلات صيفية في فصل الشتاء، وأكبر دليل على ذلك هي ظاهرة "تطليع" النخيل للمرة الثانية، فعلاقة النباتات بالمناخ علاقة وطيدة، فكل مناخ له نباتات معينة تتواءم مع وضعيته، والنخلة من النباتات الصحراوية التي تشتهر بها الجزيرة العربية، ومن المعروف أن النخيل في المنطقة الوسطى يبتدئ طلعه في نهاية موسم المربعانية وبداية موسم الشبط، ولا "تطلع" النخلة إلا مرة واحدة في السنة، وفي حالة نادرة جدا ربما"يطلع" بعض النخيل مرتين في السنة ويسميها العامة حينئذ ب "التهريف"، إلا أن هذه السنة حدثت ظاهرة "التهريف" على مساحة واسعة من النخيل، بداية من القصيم وانتهاء بوادي الدواسر مرورا بالرياض والخرج وبعض المناطق الأخرى، وهذا دليل قاطع على أن هناك تغيرات مناخية ملموسة استجابت لها بعض النباتات كالنخيل، إذ أن إحساس المزروعات بالمناخ إحساس مرهف وترجع استجابات النخيل للتطليع مرة ثانية في هذه السنة إلى التخلخلات المناخية الحادة التي حصلت في الفترة المنصرمة وخاصة درجة الحرارة، فقد ارتفعت درجة الحرارة إلى معدلات صيفية في شهر ديسمبر، وانخفضت درجة الحرارة إلى معدلات شتوية أحياناً في شهر مايو، بمعنى أن درجة الحرارة حصل فيها تذبذب حاد الأمر الذي جعل النخلة تعيش في وهم الفترة الشتوية ف"طلعت" من جديد، وتشير الروايات التاريخية أن هذه الظاهرة حصلت قبل 100 سنة في مدينة الدلم وحصلت قبل 10 سنوات في مدينة الحريق.

كما شهد شهر مايو المنصرم ارتفاعا حاداً لدرجة الحراة في بعض أيامه، حتى تخطت درجة الحرارة 48 درجة مئوية، وتوقع بعض الخبراء ان تصل درجة الحرارة خلال ذروة الصيف إلى 60 درجة مئوية ما دفع الجهات الرسمية إلى إصدار بيان رسمي ينفي تلك التقارير.

وفي فصل الشتاء تساقطت الثلوج بشكل كبير حتي غطت مساحات شاسعة من الأرض في بعض الأماكن شمال وجنوب المملكة، كما أصابت بعض المزارع موجات حادة من الصقيع أدت إلى تلف الكثير من المحاصيل.

نعيش "الحقبة الدفيئة"

من جانبه يقول الدكتور صالح العجيري رائد الفلك بالخليج العربي "كرتنا الأرضية تعرضت منذ الأزمنة القديمة، وتتعرض الآن، وسوف تتعرض بمشيئة الله لتغيرات مناخية في المستقبل المنظور ويؤكد"نعيش الآن (الحقبة الدفيئة) الناتجة عن (الانحباس الحراري) الناتج عن ما تنفثه المصانع من أبخرة ثاني أكسيد الكربون التي تتصاعد إلى أعلى الغلاف الجوي، و هذا الأمر يتسبب في ارتفاع حرارة سطح الأرض، وذلك بدورة يؤدي إلى ذوبان الجليد في القطبين وبالتالي زيادة في مستوى مياه البحار وهذا من شأنه إغراق المدن الساحلية، والأشد خطورة من ذلك هو أن مياه البحار والمحيطات قد تنفذ وتدخل إلى مصب الأنهار ما يحولها إلى مياه مالحة".

خلاف على وجود

تغير مناخي

من جانبه يقول الدكتور فهد الكليبي أستاذ علم المناخ بجامعة الملك سعود وعميد كلية الآداب أن موضوع التغيرات المناخية حديث الساعة، وهناك جهات علمية وغير علمية تحاول إقناع العالم أن المناخ يتغير حاليا والتغير يتمثل في ارتفاع درجة الحرارة وأن هذا حقيقة غير قابلة للجدل. ويعزي هذا الفريق التدهور البيئي الحالي إلى الارتفاع في درجة الحرارة التي سببها زيادة الغازات في الغلاف الجوي خاصة ثاني أكسيد الكربون (CO2)، إلا أن هناك فريقاً آخر من العلماء يعتقدون أن ما يحصل يدخل ضمن التذبذب الطبيعي ويستندون إلى دلائل علمية قوية ومن أهمها موجات الشتاء القارصة التي اجتاحات العالم في السنوات الماضية. بل إن هناك فريقاً يقول أن العالم متجه إلى عصر جليدي جديد.

ويقول د.الكليبي "هناك خلاف علمي كبير بين علماء المناخ حول التغير المناخي، و في الواقع ما يحصل الآن من ظواهر جوية لم يثبت إثباتا قاطعاً أنه تغيرات مناخية، فالفريق المدفوع بدوافع اقتصادية وسياسية يزعم أن ما يحصل الآن يعد تغيراً في المناخ، بينما فريق آخر لدية دراساته وإثباتاته يقول إن ذلك يدخل ضمن التذبذب المناخي الطبيعي، وأما القول إن الأرض تزداد سخونتها فذلك غير قطعي، بل إن هناك مجموعة من العلماء تقول أن الأرض متوجهة للبرودة خاصة بعد الشتاء القارص الذي أصاب النصف الشمالي من الأرض".

ويؤكد الكليبي "ندرك أن أي جانب علمي تدخل فيه السياسة والاقتصاد سوف تضعف درجة الموضوعية في طرحه، ويمكن أن يوجه الطرح لمصالح اقتصادية وسياسية معينة، ومن شواهد ذلك أنك تجد أن من ضمن الأطروحات التي تذكر دائماً في مؤتمرات ولقاءات التغيرات المناخية هو الحد من انبعاث الغازات التي تزيد من الاحتباس الحراري خاصة ثاني أكسيد الكربون ومن الآليات التي تطبق لتحقيق ذلك حالياً هو فرض ضريبة على الطاقة وهي ضريبة عالية جداً ومجحفة في حق الدول المنتجة للبترول ومن ضمنها المملكة.