يجتاز أدونيس ال»75» عاما، لكنه لا يكف عن إثارة الجدل في الحياة الفكرية العربية. الشاعر السوري المرشح الدائم لجائزة نوبل والمقيم في باريس يضيء في هذا الحوار جوانب مهمة تتعلق بميراثه الشعري، فاصلاً مشروعه الشعري عن الشعرية العربية الحديثة برمتها والتي يصفها صاحب (أغاني مهيار الدمشقي) «بالتي تسير في السياق التقليدي».. وحول قضايا تمس الحداثة والشعر والهوية جاء هذا الحديث:

  • في (بيان الحداثة) ظهرت الحداثة عندك على أنها مسألة لغوية؛ في حين أن هيغل يذهب إلى أن الحداثة تفكيك علاقات اجتماعية تقليدية وإحلال علاقات جديدة محلها.. بعد سنوات من (بيان الحداثة) ما الذي جنيناه، أرى أننا لم نجن شيئاً من الحداثة اللغوية؟

  • اللغة لا تنفصل عن الحياة الاجتماعية، ولا يمكن أن تكون هناك حداثة لغوية دون حداثة اجتماعية أبداً، هذا فهمٌ خاطئٌ لما أذهب إليه، لكن لا يمكن بالمقابل أن تُحدِث أوتخلق ثقافة حديثة بلغة غير اللغة العربية.لا يمكن أن تخلق حداثة جديدة في المجتمع العربي بلغة إنجليزية أو بلغة فرنسة أو بأجوائهم؛ يجب أن تخلق حداثتك بلغتك لأن اللغة هي أعمق ما يفصح عن الهوية، وبهذا المعنى كانت عنايتي باللغة.

اللغة لا تنفصل عن الحياة ونبضها وحركتها، ولذلك بعكس كل ما يُظن، إذا كان هناك شخصٌ، شاعرٌ، تناول بلغته، قضايا المجتمع العربي وقضايا الصراع في هذا المجتمع، وقضايا التدين، والعلاقة بالغرب أو الآخر، هو شعر أدونيس وأفكار أدونيس؛ وإذا المسألة لغوية؛ وإذا أنا شددت عليها لكي أقول، لا مجتمع، لا ثقافة، بدون لغة خاصة، ولغة المجتمع العربي هي اللغة العربية، وإذاً بأدوات هذه اللغة وبعبقريتها يجب أن نخلق حداثتنا، وكل التأثرات الموجودة التي تأتي من الخارج، إذا لم تصهر في عبقرية اللغة العربية لا جدوى منها ولا معنى لها، تصبح كأنها أدوات خاصة مثل الطيارات والسيارات والبرادات، ملصقة على حياة المجتمع لصقاً وليست نابعة منه، الحداثة هي أن تنبُع من ذاتها.

*تقصد (فعل عقل)؟

  • نعم، فعل عقلٍ ذاتي، هي ذاتيتُك؛ الحداثة بدون الذاتية لا معنى لها.

  • من المؤكد أن اللغة العربية جزء من الهوية، لكن تركيزك على موضوع اللغة قد لا يكفي.. أرى أن هناك أسسا أخرى في المجتمع؟

  • الأسس الأخرى في المجتمع تتولاها السياسة والأحزاب وتتولاها السلطة والتربويون والمدارس والاقتصاد. لأن الحداثة شبكة. الشاعر يقوم بوظيفته وكذلك الاقتصادي والفيلسوف. لا يتمحور كل شيء حول الشاعر.. الشاعر ليس وظيفته تفكيك علاقات المجتمع.

*لكن نحن لا ننظر إليك بوصفك شاعراً فقط، وإنما كاتب ومفكر يثير جدلا من حين لآخر؟

-الشاعر يفكك العلاقات التقليدية بين اللغة والأشياء في العالم، هذا المهم في الشاعر. حين تقوم بوظيفتك أو مهتمك ودورك كشاعر؛ أنا لا يمكن لي أن أفكك العلاقات الاقتصادية فهي تحتاج لعمل اقتصادي والعلاقات السياسية تحتاج عملا سياسيا ، فحصر كل شيء في مهمة الشعر، هذا إفساد للمهمة وإفساد للشعر، وتعطي نوعا من الحجاب ونوعا من التغطية على التقصير القائم في الجهات (الميادين) الأخرى.

مثلاً حين يقول لك حزبٌ إيديولوجي هذا الكلام..، لماذا هذا الحزب لا يقوم بدوره في تغيير العلاقات الاجتماعية. أنا أعرف أحزاباً في لبنان لها قرى بكاملها ويستطيعون أن يحولوا هذه القرى إلى قرى نموذجية، مثلاً يعملون تعاونية تجارية أونادياًاً ثقافي، يغيرون العلاقات فيما بينهم، يخلقون قرية نموذجية، ومع ذلك لا يفعلون شيئاً؛ الاقتصادي والسياسي ينسيا مهمتيهما، والأستاذ الجامعي ينسى مهمته، ويعلمون الطلاب تعليما عاديا ويكونون ايديولوجيين ويطلبون من الشاعر أن يغير المجتمع.

  • ولكن كل شيء في حياتنا هو ايديولوجي، ربما باستثناء "الفنون والشعر"؟

  • يستحيل الخلاص من الايديولوجيا، لكن أن تكون الايدولوجيا كموجه لكل شيء (هذا يقتل)؛ هذا يجعل الإنسان يسير كالأعمى في اتجاه واحد. الخلاقُ كالشجرة يرى في جميع الاتجاهات، لكي يعرف النور من أين يأتي.

  • عندما يفتح باب الحديث عن الحداثة الشعرية ثمة من يقول إن الحداثة في مجلة (شعر) هي حداثة أدونيسية، أما الحداثة هي شيء آخر؟

هذه تندرج ضمن الخلافات حول مجلة شعر. وبالعكس ثمة أناس يقولون الشيء المناقض تماما؛ يقولون إن لا علاقة لي بمجلة شعر ( يضحك ساخرا)، مع الأسف، ثمة ظواهر عند بعض العرب.. لا نزال نعيش فيها، هذه ذاتها عقلية الإقصاء والإلغاء، أو عقلية التبني الكامل أو عقلية النبذ الكامل؛ هذا مرض في النظر (مع الأسف) منتشر حتى في الأوساط الثقافية العربية الطالعة. ثمة من يقول إن مجلة الشعر هي أدونيس وآخرون يقولون إن لاعلاقة لأدونيس بمجلة شعر وانا طبعا أضحك من الموقفين.

  • سبق وأن دعوت إلى قراءة "النص الديني"؛ قراءة ثقافية. لماذا لا تبدأ أنت بذلك؟

  • بالمناسبة، أنا لا أعد نفسي ناقدا، وكل ما كتبته في النثر أو ما يسمى النقد ،كان بمثابة تمهيد أو إضاءة لتجربتي الشعرية، ومع الأسف حتى الآن هذه التجربة الشعرية لم تفهم كما ينبغي.

*كيف؟

  • لا أزال أُقرأ في السياق التقليدي للقراءة العربية، وهنا إذا أضيف (وأنا آسف إذا أردت أن أتحدث عن نفسي)؛ تضطر ظروف الإنسان أن يوضح بعض الأشياء. إذا كان هناك اتجاهان كبيران في الشعر؛ اتجاهٌ يسير في طرق التحليل والتعديل والتزيين، لكن ضمن السياق العام أو السياق التقليدي. وهناك نوع واتجاه آخر وهو نوع من إعادة التأسيس وهو يقتضي النظر في الثقافة والفلسفة والفكر والتاريخ وكل شيء؛ فأنا من هذا الاتجاه الثاني. وقصدي هو أن أعيد كتابة التاريخ العربي، معيدا النظر في الثقافة العربية وأن أعيد النظر في كل ما يسمى عربياً، جذرياً وكلياً، بحيث نقرأ هذا التاريخ قراءة جديدة ونؤسس لتاريخ آخر؛ وهذا لم يدرك بعد كما ينبغي. ومن هنا، أنا لا أعد لغتي الشعرية من بين اللغة العربية الحديثة، هي على حدا تماما، لا علاقة للغتي الشعرية باللغة الشعرية العربية الحديثة القائمة اليوم. انا في عالم وهذه اللغة الشعرية العربية الحديثة في عالم آخر.

*لماذا؟

  • لأن اللغة الشعرية العربية الحديثة لا تطرح أية مشكلة كيانية، لا على الدين ولا على التاريخ والفلسفة ولا على العلاقة بالآخر، ولا أي مشكلة كيانية ؛ إن ما يطرح ينصب إما على التجارب الشخصية والحياة اليومية لكل واحد (شاعر) وهذا مشروع؛ وأنا لست ضده، ولكن يجب أن ندرك المعنى العميق والرؤيا الكامنة وراء التجارب الحديثة. لا توجد رؤية تاريخية أو فلسفية شاملة وراء التجربة العربية الحديثة، وهذا من نواقصها الأساسية ولذلك أخاف على كل ما هو حديث في اللغة الشعرية، في أن يكون مجرد "موضة" أو زي؛ لأنه لم يتأسس بتاريخ اللغة العربية الجمالي والمعرفي والكياني. ومن أجل هذا أقول إن إذا ثمة جدةٌ حقيقية اليوم في التعبيرات الفنية هي موجودة في الفن التشكيلي أكثر مما هي في الفن الشعري. أنا أفضل اللغة التشكيلية اليوم على اللغة الشعرية. بدليل أنك لو طلبت من ناقد عارف بالتشكيل والشعر أن يسمي خمسة شعراء عرب على مستوى كوني؛ سوف يتردد ويفكر. إنما قل له أن يسمي خمسة فنانين تشكيليين، فإنه لن يتردد.

•يلاحظ قراء أدونيس أن في ديوانك الحديث (تاريخ يتمزق على جسد امرأة) عودة إلى وضوح المعنى مع وجود أصوات درامية. حدثني عن هذه التجربة؟

هذه التجربة هي نوع من التكملة. أنا لم أصدر - تقريبا- إلا ما هو قائم على رؤية ما في التاريخ العربي. مثلا: كل مشكلات الجسد في الثقافة العربية تمحور حولها (مفرد بصيغة الجمع). لكن لم يقرأه أحد هذه القراءة، إنه إعادة نظر في معنى الجسد داخل الثقافة العربية. مثلا: كتاب (هذا هو اسمي) تتمحور القصائد الثلاث والتي شكلت اتجاها جديدا، حول كيف يمكن إعطاء الوزن العربي أبعادا جديدة لم يعرفها، من حيث التدوين ومن حيث إلغاء القافية وخصوصا في قصيدة (هذا هو اسمي). ومن حيث المزج بين الأوزان والمزج بين الشعر والنثر والوزن في قصيدة (مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف). كل هذا انصب إذا في الذهاب إلى أبعد ما يمكن في استقصاء الإيقاع الوزني في الموسيقى العربية. كما أن الكتاب لم يقرأ هذه القراءة.طبعا هذا كأنموذج. وكتاب (تاريخ يتمزق في جسد امرأة) هو نوع من تتويج إعادة النظر في التاريخ.

• أنت كقومي سوري "سابقا"، كيف تلقيت مقولة (الهلال الشيعي)؟

  • أنا ضده جذريا. إن كان هلالا شيعيا أو سنيا. بمجردِ ما تُلفظ، ألفاظٌ ذات مدلولات دينية وطائفية في عمل سياسي أكون ضده كليا.

هناك بلدان تولد كوحدة طبيعية ويأتي الانسان ويجزئها. العراق وسوريا والاردن وفلسطين هي وحدة طبيعية والاعتراف بأن هذه وحدة طبيعة هو عودة للطبيعة. وأنا شخصيا اشعر بحالي، بأنني سومري وبحراني ودمشقي وأردني وفلسطيني، أولا ثم أذهب إلى البلدان الناطقة باللغة العربية، التي هي البلدان الأخرى.

•ذكرت (البحرين) هل لأن بلاد البحرين التاريخية، داخله ضمن الهلال السوري أو سوريا الطبيعية؟

  • نعم لأنها من أصولنا الفينيقية. ولكن يجب التأكيد باستمرار على الوحدة الثقافية العربية. ولكن أنا لا أؤمن بوحدة قومية مركزية عربية إطلاقا ويكون مركزها هذا البلد أو ذاك. أنا أؤمن بمجتمعات عربية تتحد في ولايات ضمن وحدة ثقافية واقتصادية عربية على غرار الولايات المتحدة الأمريكية.

• هل يفكر أدونيس بأن يكتب مذكراته؟

طبعا. أنا أكتب سيرة حياتي.

• هل سنقرأ بعد فترة شيئاً من هذا؟

  • أرجو ذلك. هي ستكون ثلاثة أجزاء، يوميات حياتي. الجزء الأول: حول حياتي في سوريا. والجزء الثاني: حول حياتي في بيروت والثالث: حول حياتي في الخارج. والأصعب هو الجزء الأول لأني نسيت وقائع كثيرة والآن احاول أن أتذكر بواسطة أصدقاء.

*على ذكر سوريا، ألا تفكر أن ترجع وتستقر في سوريا؟

صعب. لا اعتقد. ولكن أفكر أن أموت حيث ولدت.