تنظر إليه بعينيها البريئتين وهو يهم بالخروج، فيستسلم قلبه لتلك البراءة العذبة، فيأخذها ويتهادى بها نحو المسجد، فيراه بلال رضي الله عنه فيقيم الصلاة، ويكبر صلى الله عليه وسلم وحفيدته (أمامة) بنت ابنته زينب عليهما السلام لا تزال تطوقه بيديها الصغيرتين، وتسافر نظراتها البريئة في جمال وجهه ورقته وعطر جسده وثيابه، وربما عبثت كأي طفل بشعر جدها وغدائره.. تلتفت إلى القائمين خلفه.. يالها من إطلالة، ويالها من صفوف..

ويركع صلى الله عليه وسلم فيضعها برفق على الأرض وكذلك (إذا سجد وضعها وإذا قام حملها - البخاري 1 – 193) وهكذا كان يفعل مع الحسن والحسين عليهما السلام، حتى قام الحسن ذات مرة بامتطاء ظهره وهو ساجد، فأطال السجود، فلما سلم سأله الصحابة رضي الله عنهم فقالوا: (يا رسول الله إنك سجدت بين ظهري الصلاة سجدة أطلتها حتى ظننا انه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته - أحمد بسند صحيح 6 - 467) كان عليه السلام يلاطف أحفاده بحضور زعماء العرب (يدلع لسانه للحسين، فيرى الصبي حمرة لسانه فيهش إليه، فقال له (عيينة بن بدر): ألا أراه يصنع هذا بهذا! فوالله إنه ليكون لي الولد قد خرج وجهه وما قبلته قط؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من لا يرحم لا يرحم - ابن حبان بسند قوي 15 - 431)

وفي يوم كان يخطب، فسمع الحسن والحسين صوت جدهما العذب، فأخذهما الشوق وخرجا كاللهفة نحوه وعليهما قميصان أحمران.. خرجا يمشيان ويعثران، فلمحهما، فنزل عن منبره مهرولا نحوهما، فأسرع الصحابة لحمل الصبيين رفقا بهما وبقلب جدهما، فلما غمرهما بأحضانه قال كلمات كالمطر: (والله ما علمت أني نزلت عن المنبر حتى أوتيت به - الطبراني بسند قوي  3-35) ثم (حملهما ووضعهما بين يديه ثم قال: صدق الله (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما - أبو داود 1 -  358 بسند قوي) وعندما رزق بابنه إبراهيم عليه السلام، أرسله للعوالي من أجل إرضاعه، فكان يزور هذا الرضيع الجميل بطريقة أدهشت أنس بن مالك فقال: (ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله، كان إبراهيم مسترضعاً له في عوالي المدينة، فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت... فيأخذه فيقبله ثم يرجع- صحيح مسلم)

ما الذي يحدث لنا؟ ينفق أحدنا أموالا طائلة للعلاج عندما لا يرزق بهم، وعندما يحصل عليهم يهملهم.. نبخل عليهم بساعات نقضيها معهم.. نناقشهم، نحاورهم..  نمازحهم؟!  أصبح أبناؤنا بالنسبة لنا كالماء.. أغلى مفقود، وأهون موجود. البعض يرى ابنته بضاعة قد تفسد على مينائه، فهو على أحر من الجمر بانتظار باخرة الزوج لشحنها، والبعض يرى ابنه أو ابنته رصيدا واعدا يحصي الأيام والساعات بانتظار نصيبه من مرتبه، أما نبينا صلى الله عليه وسلم فيرى أبناءه نور عينيه وزهرات حقله.. كان يراهم أطيافا تغمره في الدنيا وبعد الدنيا.. كان يزور زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة عليهن السلام بعد زواجهن.. كان إذا دخلت عليه إحداهن (قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها - صحيح أبي داود للألباني) كم تألم وهن يمتن بين يديه الواحدة تلو الأخرى في ريعان الشباب، عدا فاطمة التي عاشت أيامه الأخيرة، ففي تلك الأيام الحزينة اشتد وجع أبيها حتى بدأ يقبض رجلا ويبسط أخرى من شدة الألم. فكانت تبكي وتسيل دموعها بجانبه، فنظر إليها وإلى دموعها، ثم نادها فخفف ما بها بهمسة، همسة تبشرها بأنها أول أهله لحاقاً به، فضحكت فرحاً برفقة هذا الوالد الحنون، وهل يضحك للموت إلا من أبحر به الحب والحنان إلى أقصى محيطاته.

كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك وهو نبي مرسل لأهل الأرض كلهم، ورأس دولة تنتظر أوامره وتوجيهاته، وقائد جيش يدافع عن دينه ووطنه الذي تحف به المخاطر.. يفعل ذلك وله أصحاب يفدونه بأرواحهم وأموالهم وأهلهم، و يتمنون ألا يفارق أعينهم، لكن ذلك كله لم يشغله عن أبنائه وأحفاده، لأنهم جزء من مسؤولياته، أمانة لم يضيعها بحجة انشغاله بمهام كبرى، بل كان يحذر من التفريط بها قائلا: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول- النسائي، الكبرى، بسند صحيح 5 - 374).