يعرف السجال polemic في قاموس أكسفورد للمصطلحات الأدبية بكونه "ما يكتب للهجوم على رأي أو سياسة، وغالبا ما يستخدم في الخطابات الدينية أو السياسية، كما يوظف في الفلسفة والنقد"، وهو تلك الاستراتيجية البلاغية التي تتجاوز حد المناظرة أو المناقشةdebate في مستواها البسيط بطرق عدة، ويعود في أصله في البلاغيات الكلاسيكية القديمة إلى المصطلح التالي (Gk., polemike téchne) إذ يعتمد على خطاب حجاجي يتطلع إلى وضعية القضاء على حجة الخصم إن لم يكن يتطلع إلى القضاء على الخصم نفسه. ويتجه هذا الفعل عملياً إلى الجمهور الذي من الممكن أن يكون وهمياً رغبة في تقديم الدعم لوضع المساجل. ويقود ذلك إلى مصطلح يشير إلى الدفاع العقائدي أو وضعية الدفاع السجالي apologetics وهو آلية رد الفعل في السجال ومحاولة الإقناع، وكلا المصطلحين يميل إلى أسلوب المهاترات ومحاولات التبرير، وتعود أصول هذين المصطلحين إلى الخطاب الديني إذ يتم شجب مذاهب أوممارسات يُعتقد بخطئها، ومحاولة إلغائها واحدة واحدة رغبة في تأكيد الذات، ويعتمد كلا المصطلحين على منظومة واسعة من أشكال التفاعل وبطرق متنوعة.

ويلاحظ الاتصال الوثيق بين الخطابين السجالي والديني في كلا التعريفين السابقين المستمدين من ثقافتين: غربية وعربية. فالإشارات الواضحة في التعريف الغربي تشير إلى الإقصاء. وما كتبه ابن منظور يتصل ببعد الحرب مع إشارات تستمد جذوتها من الصراع وطلب الغلبة وهو أمر لا يتأتى إلا في ضوء لغة تسودها المشابهة ويغلب عليها الإقصاء والرفض، واتصال التعريف بسلطة الحقيقة الدينية التي تكرس وجودها سجالياً.

من الممكن أن يؤرخ لبدايات الخطاب السجالي في فترتين: تتصل الأولى منهما بالتوحيدية Monotheism التي أسست سجالاً مباشراً مع التعدديةpolytheism التي تأسست مع فيلون الاسكندروني الفيلسوف اليهودي الذي تميز بطريقته المجازية والمختلفة في قراءة هوميروس ونصوص التوراة، وبذلك يعد نقطة التقاء مباشرة بين اللوغوس اليوناني والتوراة.

وتتصل الفترة الثانية بالسجال بين بعض الكتاب المسيحيين واليهود منذ عهود قديمة ثم تجدد وأصبح فاعلاً في القرن الخامس عشر الميلادي، كما لعب السجال دوراً مهماً لا يمكن تجاهله في الفلسفة منذ أفلاطون، فالفلسفة الطبيعية الحديثة بيئة مناسبة للسجال بوصفها خطاباً تعددياً، لكن الأساليب الفلسفية المبكرة كانت الجزء الأهم في حركة التغيير، أما السجال فكان مظهراً آخر من رد الفعل والسلبية وقرع حجة الخصم، إذ يشكل بوصفه حججاً للدحض والإبطال أشكالاً موجهة من التأويل، لكنها لا تعتمد على حدث (فعل تأويلي) علمي بل يتجلى هناك تركيز لشحذ الذهن والمنهج من قبل المنخرطين في السجال، ويمكن وصف فعل التأويل العلمي بكونه ذلك الفعل الذي يحاول تفسير النصوص المستهدفة، مفردة أو مكتوبة، وتأخذ وقتاً طويلاً للوصول إلى النضج، وهو الأمر الذي تفتقده الخطابات السجالية المبنية على أشكال التأويل غير العلمي.

وقد تواتر اشتعال الخطاب الديني السجالي religious polemics مع فترتي ماقبل الحداثة ونشوء فكر مابعد الحداثة Postmodernism وهما الفترتان اللتان ازدهرت فيهما حركات التعصب الديني إذ مهدت فلسفة مابعد الحداثة الطريق أمام الثقافات المتطرفة التي همشت خلال فترة الحداثة لتتنامى فيما بعدها. وتتفق الخطابات التقليدية بصورة عامة في كونها تنحو هذا المنحى السجالي وتروج له في أطروحاتها بل وتستميت في الدفاع عن بنياتها حال حدوث ما يعكر صفوها، ومن الممكن أن تعد المقولة التي صدرت من قائدي صراع الألفية الثالثة: الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش وزعيم القاعدة أسامة بن لادن بعد 11 سبتمبر 2001م "إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا" أبرز السجالات التاريخية في فترة مابعد الحداثة وأخطرها، إذ أفرزت حروباً كان محورها العراق وأفغانستان، وأنتجت أعمالاً تفجيرية في لندن ومدريد وغيرهما من العواصم العالمية، ومن ملامح هذا السجال الموحد كونه لا يمنح للمتلقي الفرصة للتأويل أو الحوار، فهو خطاب يحمل سلطة وإن اختلفت مصادرها وماعداه يبدو قابلاً لأن يكون عرضة لهيمنة هذا الخطاب الذي أتى إلينا في صورتين نصيتين ذات بنية واحدة تكرس لهذه الهيمنة أيضاً عبر ادعاء القوة الذي يظهر هنا، وتبني التحذير للآخر، ويصدر هذان النصان في إطار خطاب أحادي يحيل المتلقي إلى أداة للتلقي السلبي ، الذي يقصي دور المتلقي في اللحظة التي يحدد فيها وضعيته، فهو خطاب رافض للتلقي الحواري معتمداً على سيطرة للمؤلف. والمؤلف هنا ليس مؤلف العمل الحقيقي كما يتجلى ظاهرياً، ولكنه مؤلف واحد يتمثل في ذلك التقليد الثقافي المنتج للمؤلف.

ومن هنا يمكننا الاستشهاد بما طرحه كارل شميت Carl Schmitt في كتابه (The Concept of the Political) إذ أشار إلى أن كل المفاهيم والصور والمصطلحات السياسية تتضمن معنى سجالياً لكونها تركز على صراع محدد يؤدي إلى حالة متماسكة، وبذلك يتكاتف السجال مع الحملات الدعائية السياسية propaganda بوصفهما شكلاً من أشكال الخطاب الإقناعي، ولا يكتفي السجال بالانخراط في الخطابين السياسي والديني فحسب، إذ لا يغيب تماماً عن الخطابات الأخرى، بل يراه الأرجنتيني أرنستو لاكلاوErnesto Laclau داخلاً في الخطاب العلمي، فيقول في حوار أُجري معه في (Parallax, vol. ,5 no. 2 (1999)): "حاولت جهدي أن أبقي السجال بوصفه عقلانياً ما أمكن، أي سجال هو نوع من العداوة".

ولذلك كان موقف أحد أعلام الحداثة الفرنسية ميشيل فوكو Michel Foucaultمن السجال محدداً بوصفه لا يمثل للاختلاف الذي يدعو له، فقد سأل باول ربنهو Paul Rabinow ميشيل فوكو: لماذا لم تدخل في سجال قط؟ فقال: ليس السجال طريقتي في تناول الأشياء لأنني أفضل ألا أنتمي إلى عالم الناس الذين يرون الأشياء بهذه الطريقة، ومع ذلك فأنا ألحّ على الاختلاف بوصفه عنصراً ثابتاً في البحث عن الحقيقة والعلاقة بالآخر. ولذلك يحدد فوكو الفرق بين الحوار والسجال، فالحوار Dialogism ينطوي على علاقة متبادلة في الحرية، فالسائل – في رأيه - يطرح الأسئلة لأنه غير متأكد من موقف ما، فهو ربما يختبر مستوى الحرية المعطاة له، ليبقى غير معترف، وليفهم التناقضات، وليتلقى مزيداً من المعلومات، وليؤكد مسلمات مختلفة، تشير إلى مزيد من العقلانية، وهكذا، وللمجيب حريته في كونه مستقلاً عن النقاش، وعن منطق خطابه الذاتي، لتخضع حرية كل من السائل والمجيب للآخر، عبر الموافقة والقبول بالشكل الحواري، أما المجادل فيبني جدله عبر الرفض الأولي والأبدي للسؤال من حيث المبدأ، إنه يستثمر حريته لشن حرب، فهو شخص ليس شريكاً في البحث عن الحقيقة بل يعتقد بامتلاكها مسبقاً، ولكنه شريك في البحث عن الخصومة، إنه باحث بامتياز عن العدو الذي يكون على خطأ في نظره ليستهدف محوه تماماً، ويعتمد على الشرعية التي تؤمن بنفي خصمه.

وإذا كانت بيئة السجال ينبغي أن تتضمن العناصر التي يمكن إجمالها في مرسل ومستقبل وجمهور وحوار، فإنها بحسب ووتر هينقراف Wouter Hanegraaff أستاذ تاريخ الفلسفة في جامعة أمستردام بهولندا تتطلب العناصر التي حصرها في ما يلي: تتطلب بيئة السجال قدراً من عدم الارتياح وعدم الصفو وتوافر عنصر التهديد، وفي مثل هذه الحالة لا يمكن إيجاد تطور في الخطاب السجالي المقترح، وأن يكون مصدر التهديد غير واضح تماماً، فإن كان العدو على عتبة بابك مهدداً إياك بالقتل فلست بحاجة إلى الجدل معه، لكنك بحاجة إلى مهاجمته، ويتطلب السجال هدفاً، وسيكون المثال نقيض النقطة السابقة فإن كان ليس هناك عدو حقيقي أو متخيل فإن الخطاب السجالي يموت قبل ولادته، وتتطلب بيئة السجال جمهوراً، فإذا لم يكن هناك جمهور متابع لسجالك ومستمتع به فلن يتطور الخطاب السجالي أبداً تحت مظلة أحادية، ويحتاج السجال إلى البساطة، إذ لابد أن يعتمد الخطاب السجالي على تناقضات بسيطة غير معقدة، فالسجال المعقد الذي يعتمد على مزيد من الحجج والفوارق الدقيقة يظل سجالاً غير مؤثر.

ولعل قيمة هذه المداخل النظرية المختارة من حقول شتى كالفلسفة والدين والسياسة أنها تشكل تحديداً للسجال بوصفه منضوياً تحت لواء معظم الخطابات ومشكلاً لها، ومهما كان موصوفاً بالسلب أو الإيجاب فإنه يظل دافعاً لتقدم تلك الخطابات ونمو التفاعل معها.