مر معنا في المقال السابق أنه قد تم جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق من مستندات ووثائق وحفظ (كتبة الوحي)، الذين عينهم وأملى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، ثم راجعه بقية الحفظة من الصحابة، حدث ذلك في زمن كله صحابة ليس فيه تابعون، وجرى ذلك في المدينة المنورة عاصمة الإسلام ومكان نزول الوحي، وكتب ذلك باللغة العربية التي نزل بها دون ترجمة، فأصبح لدى المسلمين نسخة رسمية موثقة ومجمع عليها عند أبي بكر ثم عمر عليهما السلام، ثم قدم الإسلام نقلة نوعية للمرأة باحتفاظ حفصة بنت عمر بالنسخة الرسمية ريثما ينتخب المسلمون خليفة، في الوقت الذي كانت المرأة من أهل الكتاب تمنع من قراءة الكتاب المقدس أو التحدث في المعبد، وبعد تولي عثمان رضي الله عنه، اتسعت الفتوحات، وكان كل تابعي يقرأ بحرفه ومصحفه الخاص حتى خاف الصحابي (حذيفة بن اليمان) رضي الله عنه أن تختلف الأمة على كتابها كما اختلف أهل الكتاب، فركب إلى الخليفة عثمان ونصحه بتوحيد الأمة على المصحف الرسمي، وبعد مداولات تمت كتابة نسخ موثقة منه لكل الأقاليم، حتى أن عبد الله بن الزبير (أحد النساخ) قدم تساؤلا لخليفته عثمان عن جدوى كتابة الآيات التي نسخت أحكامها وبقيت تلاوتها فقال: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا}. قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها! أو تدعها؟  قال عثمان: يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه- البخاري) أي لا أغير من النسخة الرسمية شيئاً. ثم أصدر عثمان أمرا بحرق المصاحف الشخصية، التي قد تحتوي تعليقات أو تفاسير أو آيات أمر نبينا عليه السلام بنسخها كآية الرجم للزاني، وهكذا جمعت الأمة على مصحف رسمي موثق، وهكذا تجوب الأرض من أقصاها إلى أقصاها فلا تجد سوى مصحفا واحدا لا اختلاف فيه.

إنجاز وإعجاز أقض مضاجع أعداء الإسلام اليوم خاصة بعد إنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف، فقاموا بحملات تشكيك بالقرآن متجاهلين كتبهم المقدسة، فبعد ان رفع الله عيسى عليه السلام بعقود ظهرت أكثر من سبعين قصة سمي كل منها إنجيلا، أما التوراة فهي نفسها تقول: (ومات موسى ودفن في سيناء ولا أحد يعرف قبره حتى الآن) التوراة التي أنزلت على موسى تقول ذلك، أي أن كاتبها هذا لا يعرف قبر موسى، وهذا يعني أنه ليس من صحابة موسى ولا من تابعيه، بل من جيل لا يعرف سيناء ولا الأرض المقدسة، فبالتأكيد لن يكون سوى شخص مجهول ولد بعد أسر بابل على يد (نبوخذ نصر).

حاولوا ففشلوا، وهاهم اليوم يعيدون الكرة على أيدي أذنابهم من أبناء أمتنا، وأشهر هؤلاء كاتبان ماهران في تسويق الدجل تحت لا فتات مخيفة من المصطلحات الحديثة وهما: (محمد أركون) وتابعه (هاشم صالح)، فمشروعهما التنويري (كما أثبت ذلك بالأدلة في كتابي «العقل العربي») وكتاباتهما تهدف إلى شيء واحد، هو هدم القرآن والتشكيك فيه بعد أن اكتشفا أنه حصن الإسلام وسر صمود المسلمين رغم ما مر بهم من نكبات وكوارث، وفي هذا المقال أنقل لكم المقولة (الفضيحة) والتزوير المكشوف لهاشم صالح الذي يقول: (ظل الصراع حول القرآن محتدما حتى القرن الرابع الهجرى حين أُغْلِق نهائيا باتفاق ضمنى بين السنة والشيعة).

هذا الدجال لا يجرؤ على التعرض للكتاب المقدس ونسخة الملك جيمس ومأساة ويليم تندال التي مرت معنا في المقال السابق، كشيخه أركون تماما، لأنهما يدركان عواقب ذلك، لكنه يتجرأ على القرآن بكذبته الخطيرة هذه قبل أعوام، كذبة لا زال عاجزا عن إثباتها من أي مرجع سني أو شيعي أو تاريخي، أو حتى من مجلات (ميكي ماوس)، فضيحة تكشف حجم التزوير لدى هذا الدجال عند يأسه، لكنه في عصر العلم الحديث، الذي يسلم فيه العلماء التجريبيون الذين نهضوا بالغرب عندما يتعرفون على القرآن، فيعترفون أنه من عند الله أمثال البروفيسور (مارشال جونسون) وعشرات غيره، بل إن أحدهم البروفيسور الكندي (كيث مور) (وهو من مراجع علم الأجنة في العالم) قام بتأليف كتاب يثبت فيه صحة القرآن ودقة ما ورد فيه من آيات يشهد لها العلم التجريبي الحديث، فشتان بين هذا المنهج الدقيق الذي نهض بالغرب ويشهد للقرآن، وبين منهج الدجالين الإنشائي الذي قادنا للتخلف، ولا عجب أن تتراجع أمتنا للوراء مادام هذا المزور وأمثاله من أئمة التنوير فيها، وما داموا يلجأون للتزوير منهجا بعد أن أخجلهم العلم التجريبي وأفحمهم وهم الذين طالما أزعجونا بالحديث عن العلم الحديث والوصول للمريخ واستحالة توافق العلم مع الدين.