الوفاء من شيم الكرام ولا سيما من الأبناء البررة حيث تتعدد الخصائل الوفية وأبرزها خصلة الأمانة والعلم. قام الأبناء بالواجب خصوصا زيد ويزيد أبناء الأمير محمد بن أحمد السديري بتقديم هذا الكتاب ودفعه إلى أهل الاختصاص لدراسته وإخراجه وكان لها بالمرصاد الباحث والبارز في مجال التحقيق الاستاذ سليمان الحديثي والذي تشهد انجازاته في أمثال هذه الأعمال بالريادة والقدرة البحثية والتحقيقية فمن رأى عمله وجب شكره فالتحقيق في بعض الأحيان أصعب من التأليف كما في عرف المتعاملين مع الكتاب. جاء الكتاب في مجلدين وطبع بطباعة فائقة حسنة الشكل والمضمون مع تقسيم جاء في إطار صحيح.

والكتاب في مجمله يخدم تاريخنا المحلي وتراث الجزيرة العربية بشكل مهم. قدم المحقق شكره لأبناء المؤلف على تقديمهم الأوراق والمسودات والأشرطة التي تخص هذا الكتاب ومنها بدأ العمل. ثم شكر من تعاون معه من الباحثين والدارسين. بدأ المحقق ترجمة للمؤلف مع حصر كتبه ومما ذكره عن المؤلف قوله : هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد (الأول) بن محمد بن تركي بن محمد بن سليمان بن فوزان السديري، من السدارا، من البدارين، من آل زايد، من الدواسر. ولد سنة 1335ه: تقريبا في الأفلاج حيث كان والده أميراً عليها، وعاش مع والده بعد ذلك في مدينة الغاط، وتعلم في كتاب الغاط، حيث درس على معلم من أهل القصيم هو عبد الله الحصين، فقرأ وحفظ على يديه أجزاء من القرآن الكريم، كما درس عليه مبادئ القراءة والتوحيد والفقه، وهي العلوم التي كانت تدرس في الكتاتيب آنذاك. ثم طور ثقافته بنفسه من خلال مجالسته لأهل العلم والرواة الذين كانوا يرتادون مجلس والده. ولمع نجمه منذ سنوات شبابه الأولى، وبرزت فيه المواهب القيادية، مما جعله موضع ثقة الملك عبد العزيز رحمه الله فعينه أميراً على الجوف سنة 1357ه لمدة سبع سنوات، ثم أميرا على جازان لمدة أربع سنوات، ثم قائداً لقوات المجاهدين من أحجل فلسطين لمدة عامين، ثم محافظاً على منطقة خط الأنابيب في الحدود الشمالية لمدة سبع سنوات.

تفرغ بعدها لأعماله وشؤونه الخاصة، ثم اختير ليكون مشرفا على الحدود الجنوبية بمنطقة جازان من عام 1382ه حتى عام 1389ه. وخلال عمله كان له دور كبير في الأحداث التي دارت آنذاك، بعد ذلك تفرغ لشؤونه الخاصة متنقلاً بين بيوته ومزارعه في الطائف والقصيم، وكان يكثر الإقامة في مزرعته بالقصيم، التي أسماها منيفة، وهذه المزرعة أحبها كثيراً، واعتنى بها عناية خاصة، وقد أوصى أن يدفن بها، وكان ذلك. توفي المؤلف رحمه الله صباح يوم الأحد، آخر أيام شهر صفر من عام 1399ه. وقد صدر بيان رسمي في نعيه بث في التلفاز و الإذاعة والصحف. ثم تحدث المحقق عن مضمون الكتاب: فأشار إلى أنه جمع كل ما قيل من حداء الخيل في منطقة الجزيرة العربية، والعراق، والشام، وهي تلك المقطوعات من الشعر النبطي التي لا تتجاوز أبيات معدودة، يقولها الفرسان فوق ظهور الخيل قبيل وأثناء وبعيد المعارك. ويشمل ذلك التعريف بأصحاب الأحديات، التي ورد ذكرها في الأحديات، وإيراد القصص والمناسبات، وشرح الألفاظ. مع استطرادات يورد فيها المؤلف وإيراد القصص والمناسبات، وشرح الألفاظ، مع استطرادات يورد فيها المؤلف بعض العادات والتقاليد والألقاب والنخوات والعزاوي وغير ذلك. ثم بين أهميته بالقول:وتكمن أهمية كتاب الحداوي في عدة جوانب لخصها في النقاط الآتية:

أ- الريادة: فهو أول كتاب يؤلف في موضوعه، لم يسبقه سابق، ومن مارس التأليف يعرف مدى صعوبة الريادة في التأليف في أي موضوع كان، فأنت أمام طريق لم يسلكه أحد قبلك، وليس أمامك خطى تعتمد عليها. ولو تأملنا في الكتب المؤلفة في تاريخ المنطقة، أو في الأدب الشعبي والشعر النبطي، أو في الأنساب قبل تأليف المؤلف لكتابه، ونظرنا عدد الأحديات المذكورة فيها لوجدناها قليلة جدا. وقد تتبعت كتاب البرت سوسن «ديوان وسط جزيرة العرب»، الذي طبع سنة 1900وهو أول كتاب مستقل يطبع عن الشعر النبطي حسب علمي فلم أجد إلا اليسير واليسير جداً، بينما نجد المؤلف السديري قد جمع أكثر من ألف أحدية، وهذا الجزء وحده يشمل قرابة 500 أحدية.

ب- الشمولية : لم يقتصر عمل المؤلف على منطقة بعينها، أو قبيلة بذاتها، بل شمل أغلب أنحاء الجزيرة العربية، والعراق، والأردن، وسوريا بقبائلها المختلفة، وهذه هي أهم المناطق التي يقول سكانها الحداء بالطريقة المتعارف عليها.

ج- الامتداد الزمني: جاء عمل المؤلف ممتداً لفترة طويلة، فقد رأيت أحديات لفرسان عاشوا في القرن الثاني عشر، وأخرى قيلت في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، ولكن أغلب الأحديات قيلت في المئة سنة التي تمتد بين عامي 1250 1350ه.

د- التقصي والدقة: تميز هذا الكتاب بدقة مؤلفه في روايته وذكره للمناسبات، والأخبار، والأشعار، والأنساب، وحرصه على التقصي والتأكد من أصح الروايات. ثم بين منهج المحقق بقوله :استلمت كل الأشرطة التي سجلت للمؤلف، والدفاتر التي كتبها المؤلف بخط يده، والدفاتر الأخرى، وهي تفريغ للأشرطة مع بعض الشروحات، ولا زال هناك بعض الأشرطة والدفاتر مفقودة على أمل العثور عليها، فبدأت عملي وكان منهجي كالآتي:

1 المقارنة بين الأشرطة والدفاتر.

2 ترتيب الأحديات حسب قائليها وفقاً لحروف المعجم، ابتداء من الألف وانتهاء بالياء، وقد اقترح عليًّ ذلك الأمير يزيد المحمد الأحمد السديري، واقتراح أيده كل من استشرته من الباحثين. وقد يحدث أحياناً أن أورد أحدية في غير موضعها نظراً لارتباطها بأحدية أخرى، وأشرت إلى ذلك في موضعه، وقد وضعت الشعراء المنسوبين إلى أسرة ضمن هذا السياق، أما المنسوبون إلى قبيلة فقد تم وضعهم في ترتيب خاص بعد نهاية الشعراء المرتبين على حروف المعجم، وجاء معهم المجاهيل.

3 ترجمة كل من وجدت له ترجمة من أصحاب الأحديات، الأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب. وليعذرني القارئ الكريم في إغفالي لترجمة بعضهم، والسبب الوحيد في ذلك هو عدم عثوري على أية معلومات عنهم. وقد تجاوز عدد الشخصيات المذكورة في الكتاب الألف، وبعضهم لم أجد له ذكراً في المصادر والمراجع التي اطلعت عليها، ولم أجد عند الرواة والباحثين ما يفيدني في ترجمتهم.4 شرح الألفاظ والمفردات.

5 تحديد المواضع والأمكنة.6 ضبط الأسماء والأشعار التي تحتاج إلى إيضاح بالشكل. 7 التعليق على بعض الأحداث التاريخية، والمقارنة بين ما أورده المؤلف، وما ورد في ا لمصادر والمراجع التاريخية.

وأحب أن أنوه إلى نقطة هامة، وهي أن أبناء المؤلف قد نهجوا نهج أبيهم في اجتناب ما قد يسيئ إلى الآخرين، مع الحفاظ على الأمانة العلمية، وكانت وصيتهم المتكررة لي بذلك أثناء تحقيق الكتاب.وما أود أن أقوله هو أن الكتاب يتحدث عن أحديات قيلت غالباً في حروب ومعارك، ومثل هذه الأحداث يدور حولها خلاف وجدل كبير، كما يحدث خلاف كبير حول نسبة العديد من الأحديات، وكثيراً ما نرى الأحدية تنسب إلى اثنين أو ثلاثة أو أكثر، ذلك أن الفرسان يستشهدون أحيانا بأحديات غيرهم أثناء المعارك، وأحياناً يدخلون عليها بعض التعديلات، فيظن من سمعه أنها له ومن هنا ينشأ الوهم. وقد بذل المؤلف رحمه الله جهده في جمع أصح وأدق الروايات، وجل من لا يسهو، وأبي الله أن تكون العصمة إلا لكتابه. وحسب المؤلف أنه جمع لنا هذا الكم الهائل من الأحديات، والمرويات، وحفظها من الضياع، ولولاه لضاعت صفحات هامة من تاريخنا، ولمحات من هذا الفن الجميل، والأدب الرفيع. وللمؤلف كلمة جميلة قالها في مقدمة كتابه «أبطال من الصحراء» يشرح فيها منهجه، لعل من المناسب أن أوردها.. يقول المؤلف الأمير محمد السديري: جاء أول الأحديات هي أحدية : إبراهيم الذعيت، وهو رجل شجاع جسور من أهل مدينة حائل هذه الأحدية يذكر غزوة بينهم وبين قبيلة الشرارات، وقد ركب إبراهيم الذعيت في هذه المعركة فرساً أصيلة مهداة لابن رشيد، وقتل أحد الفرسان المعدودين:

وقع الجزء الأول في (317) صفحة والجزء الثاني في (223) صفحة. مع الفهارس.