(يزيد بن ركانة) شاب مزهو بجسد مفتول العضلات، لم يتمكن أحد من طرحه أرضا.. جسده المنحوت هو رأس ماله وعنوان ثقافته وحجته وسر شهرته، سمع أن رجلا اسمه (محمد بن عبد الله بن عبد المطلب) يقول للعالم أنه (نبي)، وأن الناس تتداعى نحو دين الإسلام وبأعداد تتزايد، ويبدو أنه لا يملك من المنطق والحجة ما يسمح له بالنقاش وطرح الأسئلة، لذا أحب أن يطرح هذا النبي أرضاً أمام أتباعه وخصومه معاً، كي يقول للعرب: إن الجسد فعل ما لم تفعله العقول والقلوب التي تحتفي وتقتنع بمحمد عليه السلام. أما نبي الله عليه الصلاة والسلام فرأى في عضلات هذا الرجل طرقات جميلة إلى قلبه وعقله.. رأى في هذا الجسد نافذة نحو روح تائهة حان وقت استردادها، لذا قبل التحدي فصرعه صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، كل مرة يأخذ منه مجموعة من الغنم، (فلما كان في الثالثة قال: يا محمد ما وضع ظهري إلى الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله).

فقام عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد عليه غنمه - صحيح السيرة (217 للألباني) هل كان عليه الصلاة والسلام يتدارس معه أو يلقنه بعض الآيات والأدعية؟ قطعاً: لا. بل كان يمارس معه رياضة وسماحة في الميدان الذي يجيده هذا المشرك، متطلعا إلى أهداف أسمى من فوز رياضي رخيص، كان يقدم درساً لكل من يتغنى بعبارة (الشريعة السمحاء) بينما لا يستطيع الفكاك من المقولة الضيقة (الأصل في الأشياء التحريم والمنع) بدلا من القاعدة الإسلامية الجميلة (كل شيء عدا العبادات حلال إلا إذا جاء دليل يحرمه من القرآن أو السنة) يقدم أيضاً درساً لكل من يردد أن الإسلام عظيم وسام وجميل، لكنه يبخل عليه ببيان مكمن جماله وسموه وعظمته. أولم يناشد نبينا صلى الله عليه وسلم المشركين ثلاثة عشر عاما أن يقولوا: (لا إله إلا الله) فقط.. يناشدهم كل هذه المدة فيقابلونه بالضرب والركل والشج ومحاولة الخنق والحبس والمقاطعة، فيرد عليهم بحسن الخلق والبشاشة والأمانة دون أن ييأس أو تتغير أخلاقه أو تسفل معاملته أو حتى يفكر بالانتقام، بل قام قبل مغادرته مكة هو وأبو بكر عليهما الصلاة والسلام بإبقاء علي رضي الله عنه ليعيد لأعدائه المشركين أموالهم التي كانت أمانات عنده، رغم أنهم تآمروا البارحة لغرز السيوف في جسده الطاهر. هذه السنوات من الصبر والأمانة والصدق والوفاء وحسن الخلق كانت مع وثنيين يعبدون خشباً وحصى، فلماذا يكيد المسلم لأخيه وهما يرددان ليل نهار: لا إله إلا الله؟ من لا يعرف قيمة هذه الكلمة فليتأمل قول الجبار سبحانه بعدما يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار: (أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة – صحيح الترمذي للألباني) لم لا نتأمل اليهود وأنهم رغم اختلافهم في قمة التسامح والتعاون والتلاحم من أجل سلامة سفينة بني (إسرائيل)، والحفاظ على دين (بني إسرائيل) ووطن (بني إسرائيل) ألسنا أولى بذلك منهم؟ كم هي حقوق بعضنا على بعض، وكم نؤدي منها؟ ألسنا بحاجة إلى إعادة قراءة علاقاتنا من سيرته عليه السلام وتأليفه لقلوب أصحابه وحفاظه على دولته ومكتسباتها، وتسامحه مع أعدائه فكيف مع أصحابه؟ من سيرته عليه الصلاة والسلام لا من فلسفة فلان أو فتوى فلان؟