رد الشيخ صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء الذي جاء بعنوان «الولاء والبراء من أصول عقيدتنا» المنشور بتاريخ ٢٦/٥/٢٠٠٩ على مقالي «كن فأر تجارب»، كان عبارة عن رسالة مليئة بالاتهامات والاقصاء وسوء الفهم وكل ذلك كان قائماً على أساس غير صحيح.

يقول الشيخ الفوزان: إنني شبهت في المقال أطفال المسلمين ب«الفئران المفسدة» التي قال عنهاالنبي - صلى الله عليه وسلم - «إنها من الفواسق التي تقتل في الحل والحرم». يبدو أن الشيخ الفوزان هو الوحيد الذي فهم من مقالي أني أقصد تشبيه الأطفال ب (الفئران الحيوانات) لأنه من الواضح جداً لأي أحد يقرأ المقال أن يكتشف أني لم أقصد ذلك على الاطلاق، وإنما استخدمت هذا التعبير الذي يؤخذ بالمعنى المجازي وليس حرفياً كما فعل الشيخ. هذا التعبير شائع جداً. إذا قال رجل يحب زوجته بأنك «غزال» فلا يعني بالتأكيد أنه يقصد الغزال (الحيوان) ولكن الغزال المجازي. وذات الشيء إذا قال أحد أنك «تبدو مثل فأر تجارب» أي أنك تتعرض لعمليات اختبار وتشريح وليس المقصود أنك فأر حقيقي. ثم إني تطوعت في المقال أن ألعب دور هذا الفأر الذي يتم تشريحه، وإذا كنت أعتقد أن في ذلك إساءة للأطفال فلماذا أصف به نفسي إذن؟!.

يتهمني الشيخ بأني أهدف إلى تذويب عقيدة الولاء والبراء ويستشهد بآيات مثل قوله تعالي: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء». من المؤسف أن يستخدم الشيخ الفوزان ذات الآيات التي يستخدمها المتطرفون من أديان أخرى، الذين يصفون الإسلام بدين العنف والكراهية مثل الانجيلي جيري فالويل، وبوب جونز وغيرهما من المتشددين. وذات الرد الذي يوجه لهم يمكن أن يوجه للشيخ الفوزان أيضاً، لأن التهمة واحدة وإن جاءت مع الفوزان بنية طيبة. وهو أنه في كل الكتب المقدسة توجد آيات تحث على القتال والحرب والعداء، ولكنها مرتبطة بوقتها وظرفها. لذا من غير المنطقي وصف دين كامل بأنه يدعو للعداء أو الكراهية بالاعتماد فقط على آيات محددة يتم تكرارها بعد أن يتم اقتطاعها من سياقها ووقتها وإلا أصبحت كل الأديان تدعو للعداء والبغضاء، ولاحترق العالم بالصراعات الدينية. ولكن هناك آيات أكثر بكثير من آيات العداء موجودة في هذه الكتب - وفي القرآن تحديداً - التي تحث على التعايش والتسامح والسلام وعدم الإكراه، ولكن الشيخ الفوزان - ولا حتى جيري فالويل وغيره - يذكرونها أبداً. القراءة التاريخية للآيات القرآنية تقرأ النصوص الدينية اعتماداً على وقتها وظرفها عندما كان هناك عداء بين أصحاب الأديان المختلفة، ولكن كل ذلك انتهى الآن، فالمسلمون يتعايشون مع غيرهم في كل مكان بسلام وأمان (عدد المسلمين في أوروبا فقط يقارب ال ١٥ مليوناً). النص القرآني مفتوح على التأويل والتفسير بما ينسجم مع روح العصر، وهذا الأمر يعكس عظمة الدين الإسلامي واستمراره بقوة واختراقه للقرون الطويلة. التفسير الجامد عند مرحلة معينة هو الذي يضر بالدين عندما يعزله عن حركة الواقع المتغير بشكل مستمر ما يمنعه من التأثير في الحياة المتحركة بسرعة. بالطبع كل ذلك ينسجم مع جوهر الدين الإسلامي وجميع الأديان الأخرى التي تسعى إلى أن تسود ثقافة المحبة والتعايش والسلام بين الناس، وهو الواقع الذي نعيشه الآن، حيث يختلط الناس من كل الأديان بحياة منسجمة وإيجابية. صحيح أن المتطرفين من كل دين يثيرون المشاكل ويؤججون العداء لهذا يتم الدعوات بشكل مستمر إلى مؤتمرات لحوار الأديان من أجل تخفيف تأثير هؤلاء المتطرفين على الناس، وجعلهم يعيشون مع اخوتهم الآخرين بتسامح وسلام.

المؤسف أن الشيخ الفوزان ينطلق من هذه الرؤية القديمة التي تجاوزها التاريخ منذ مدة طويلة ويريد أن يفرضها علينا على الرغم من أننا نعيش واقعاً مختلفاً جداً وهو لا يتعارض مع القراءة الواقعية العقلانية التي نعتمدها. الأمر الآخر أن فكرة تذويب العقيدة هي مجرد اتهام أكثر من كونه حقيقة. فالتعايش والتسامح لا يعنيان أن نتخلى عن شيء من ديننا، فهاهم المسلمون يعيشون في كل مكان ويختلطون مع الجميع ويشاركونهم أعمالهم وأفراحهم وأحزانهم ولم يتخلوا عن دينهم. يتحكم بتفكير الشيخ الفوزان قيمة العداء والبغضاء (كرر كلمة كافر ٧ مرات في رده القصير) الأمر الذي يجعله يرى العالم منقسماً بين المسلمين و«الكفار». وحتى داخل المسلمين أنفسهم هناك - اعتماد على ذات الرؤية - انقسام بين الطوائف الصحيحة والأخرى المنحرفة. وحتى داخل الطائفة الواحدة هناك انقسام بين الفرق فهناك فرقة صحيحة واحدة ومئات الفرق الخاطئة. مثل هذه الثقافة بالإضافة إلى معارضتها للتطور العقلي هي أيضاً سبب - كما يثبت التاريخ والواقع - في تمزيق الأوطان التي تتطور وتزدهر فقط في جو من التسامح الديني الذي يحفظ لها استقرارها وتماسكها.

يتجاهل الشيخ الفوزان أيضاً مثل هذه الدعوات التي انتقدها في المقال كانت هي التي رسخت ثقافة التطرف وكانت الوقود الذي أشعل نار الإرهاب بشبابنا في كل مكان وتحديداً في بلادنا.

يقول الشيخ الفوزان إن المقال يستهين بالعلماء المسلمين وهذا غير صحيح بالطبع، لأن الكثير من العلماء والمفكرين المسلمين داخل المملكة وخارجها يدعون إلى تبني ثقافة التسامح والتعايش والمحبة وتعيمق الروابط الإنسانية بين أصحاب الأديان المختلفة. إن اختزال علماء المسلمين بشخص واحد أو رأي واحد هو أمر لا ينسجم مع المنطق العقلي فحسب، ولكنه يقدم نفسه المفسرة الوحيد لكلام الله تعالى وهذا الاحتكار النهائي بات أمراً غير مقبول على الاطلاق.

من حق الشيخ صالح الفوزان أن يؤمن بالأفكار التي يريدها ويدعو لها، كما من حق أي أحد أن ينتقدها ويدعو للأفكار التي يراها صائبة. لكن ليس من حق الشيخ الفوزان أن يهدد بعصا الله بأن يطردنا من رحمته لأن لا أحد يمكنه الآن، بعد ان سقطت فكرة الوصاية، أن يلعب دور المفوض من الله.