أدرك يقينا بأنني لست أول من كتب ولست آخر من سيكتب عن وزارة الصحة والخدمات العلاجية. فالمعاناة أكبر من أن يحيط بها نبض قلم أو نقد كاتب أو أنات مريض، ولكني سأدلي بدلو مثقوب عله يعود بقطرات ماء تسعف ظامئ أو تسد رمق عطشى أو تشفي صدور كثيرين ممن أثقلتهم الحياة بآلامها ومتاعبها الجسدية والنفسية فلم يجدوا ما يلجؤون إليه إلا عناية لا أود تحديد مستواها، أو انتظارا طويلاً يسابقه تضاعف المرض، أو الموت والموت أدهى وأمر الذي لايعرف فترات الانتظار فتخطفهم أيدي المنون وتبكيهم القلوب وتدمع عليهم العيون، فهل تحرك تلك المشاهد وهذه الفصول مسؤولي وزارة الصحة فيكونون على قدر المسؤولية والثقة الممنوحة لهم من قبل ولاة الأمر حفظهم الله.

إن المستشفيات الحكومية تجيد العمليات ليست العمليات الجراحية مع الأسف ولكنها عمليات التطفيش حتى يلجأ المريض استطاع أو لم يستطع بالخروج والبحث عن مكان للعلاج وكأنما تحولت الطوارئ إلى مكاتب تسويقية للمستشفيات الأهلية وكثيراً ما تسمع (هذا مستشفى حكومي روح لمستشفى أهلى) ولربما قال المسوق: (روه لأهلي هازا هكومي) معالي الوزير لم أكن من المباركين وقت التعيين ككثيرين بل الداعين لك بالتوفيق المعزين بهذا المنصب للتركة الكبيرة والحمل الثقيل المناط بكم، وأتمنى ألا يمر اليوم الذي نعزي المنصب بك، لقد أعجبتني مقولة الأمير خالد الفيصل والذي يصنف من الطراز الأول في الإدارة عندما قال: (أن نعمل ويرضى عنا البعض ليست مشكلة؛ لكن المشكلة ألا نعمل ويرضى عنا البعض).

ما الذي استجد وما الذي نتوقع حدوثه، بلد مثل الرياض تضم أكثر من ستة ملايين ونتباهى بالعدد وأتمنى أن نتباهي بالخدمات التي تقدم إلى هذا التجمع السكاني الكبير، أن نرى أهم ما يراهن عليه الشعوب وهو العناية الصحية بهذا الإنسان، كم لدينا من مستشفى في الرياض وأعني المستشفيات الحكومية لأنه ليس كل أحد يستطيع أن يضع رجله على عتبه أبواب المستشفيات الأهلية لأنها مسعورة ربما تحاسبك على المرور بشارعها أو قراءة لوحتها من بعيد فحسنا أن يبتعد عنها وأن يبتعد عنها كل صاحب دخل محدود، أتمنى أن نرى طموحات ولاة الأمر وتطلعاتهم قائمة علىالأرض دعموا وأعطوا وانتظروا نتائج ذلك فما عساكم فاعلين.

يا وزير الصحة إن الذين تكون لهم الأولوية في الحكوميات هم القادرون على دخول كل المستشفيات والقادرون على السفر والعلاج بأي مكان، أما الطبقة الكادحة والضعفاء والمساكين فهم الذين لايملكون حيلة إلا الصبر فالجانب الإنساني مطلب في كل حين وحال لكنه يتأكد ويعظم في الأمور العلاجية فما على العاتق ثقيل أعانكم الله على حمله.

معالي الوزير أحمد الله أني أستطيع وإياك العلاج في المستشفيات الأهلية أو خارج المملكة لكن ألم تفكر بوضع هؤلاء وتقوم بزيارات مفاجئة كما فعل سلفك د. القصيبي الذي وضع خطوطاً لم تمح بعد فقطف ثمارها حينا من الدهر.

قريبتي أصيبت بالنزيف وبحثت عن مستشفى لعلاجها وكل ما حطت رجلها في مكان يضطرها الوضع إلى المغادرة فالطابور النسائي النازف والحوامل اللاتي تسمع صراخ أجنتهن في صالون الانتظار أمام طبيبة مناوبة واحدة في طوارئ مستشفى اليمامة على سبيل المثال لايسمح لها بالبقاء لأنها لابد أن تموت حتى يصلها الدور، لقد عشنا وشفنا ورأيناهم في دول أخرى تضم عشرات الملايين يأتون إليك في البيت بطاقم طبي كامل وسيارة إسعاف وأنت لاتحمل جنسية ولاتطلب منك هوية، بينما قريبتي مسكينة حملها الألم ونسيت حمل هويتها (فضاعت في خرايطها) عادت إلى البيت بعد أن تلقت كلمات نابية زادت الطين بلة والألم أسى والأمل خيبة فرجعت تجر وراءها كوما من الوجع والحسرة والندامة، عادت مرة أخرى بهويتها التي لم تسقها من الساقي فعاودت التحقيق من جديد وظلت موظفة الاستقبال تبدي وتعيد ولم تضع نفسها بمكان المريضة النازفة وكأن هذا التحقيق على بوابة عنبر من يدخله لايظهر، إن من قصد الطوارئ في البلدان المتقدمة يامعالي الوزير يباشر بمعالجة الحالة ثم تطلب العنوان ولربما التأمين الصحي، لكنه لايبادر بأي سؤال قبل التعامل مع الحالات الصعبة.

أعرف أن هذا الكلام لن يروق للبعض لكن أملي أن يفيد بالغرض ويساهم في تحديد المرض ليبدأ العلاج وإن كانت الحالة واضحة لكنها تحتاج إلى تشمير عن السواعد ونفض لغبار التكاسل سيما وأننا نعيش في ظل دولة من أغنى الدول ونتمتع بظل حاكم عادل مخلص باحث عن كل ما يخدم شعبه فهل يفيق أصحاب الصحة من غفلتهم، ويثمنوا الثقة الغالية ويستغلوا الدعم اللامحدود.

  • أستاذ جامعي وباحث أكاديمي