في دراسة فلسفية قانونية متميزة كشف الباحث الدكتور أحمد صالح السيف عن مقارنة بين قوانين الإعاقة السعودية مع بعض القوانين العربية، والقوانين البريطانية والأمريكية، وذلك ضمن رسالة الدكتوراه التي حصل عليها في جامعة نيوكاسل تحت عنوان " حقوق المعاقين والتفرقة في المعاملة ".

سعت الدراسة في فصولها العشر إلى محاولة صناعة فلسفية لمفهوم حقوق المعوقين، وتبنت ثلاثة أجزاء رئيسة وفق رؤية شمولية ذات بعد تكاملي معرفي إذ يستأنف بالتأسيس الفكري والفلسفي لينتهي عقب جهد تنظيري حقوقي بطرح مقترح إجرائي إصلاحي يشتغل على الربط المنهجي فيما بين النظرية والتطبيق، كما تضمنت في نهايتها توصيات عامة غالبها يدور حول بث الوعي المجتمعي لحقوق الإعاقة وغيرها.

وينشد المشروع في مجمله التحليل القانوني، وبخاصة في أبعاده النقدية لنماذج من تشريعات قانونية عصرية تحرم التمييز بشتى صوره على أساس الإعاقة مثل (القانون الأمريكي للإعاقة 1990) و(قانون الإعاقة والتمييز البريطاني 1995)، وذلك في مقابل بعض تشريعات الإعاقة العربية التي إن كان لها شيء من حضور فلا يعدو أن يكون حبراً على ورق يأتي على استحياء وفي منأى عن قصدية التفعيل!، وخرجت هذه المقارنة باقتراح مخطط قانوني إصلاحي مشتملا على آليات تنفيذية ليس من الصعب تنفيذها واقعياً.

خلفية الدراسة

أما الخلفية الفكرية والفلسفية للدراسة فكانت بنيتها تنهض على تحرير مفهوم (الإنسان) إجمالا ودوره الاجتماعي والأخلاقي، وتأكيد الإجابة عن مدى تأثير الإعاقة على (إنسانيته) ودورها في التقليل من كرامته؛ جاء ذلك كله بسياق شرعي وفكري وحقوقي لتخرج-الدراسة- بمفهوم شامل للمعوق والإعاقة إذ تركز على الأنموذج الاجتماعي للإعاقة الذي يستدعي النظر من وجهة أخلاقية لحاجاته الإنسانية مما يضفي على بنية حقوق المعوق أنموذج حقوق الإنسان.

كما وقفت الدراسة على (النظرية الحقوقية ) للمعاقين وأسسها بمنهجية تفكيكية لبنيتها وركائزها ابتغاء إعادة بناء مفهوم شامل لحقوق المعوقين يستند إلى مصالحه الأساسية وحاجاته الملحة التي فرضتها ظروفه الخارجة عن إرادته إضافة إلى حقه في الاحترام والعزة والثقة بالذات والاستقلالية وعضويته الرئيسة الفاعلة في مؤسسة المواطنة وإنمائها. ولأن -الدراسة- تقوم على الفكر الحقوقي المقارن كان لا بد من المقارنة فيما بين فلسفة السياسة الليبرالية بالإضافة إلى المثالية الأخلاقية وبين الرؤية الفكرية الإسلامية في النظرية الحقوقية والتي تؤكد على ثبوت تلك الحقوق بمبدأ العدالة واستحقاقها مع تحريم التمييز حيالها استناداً إلى المساواتية والاعتراف.

وحيث إن الأثر الذي يحدثه التمييز بات أمرا يتجاوز الفرد ليحدث خللاً اجتماعياً متكاملا كان له ذات الأثر في بنية المنظومات التشريعية الحقوقية، مما جعل المؤسسات الحقوقية تعاني من عدم الفاعلية والجدوى، وبالتالي أحدث التمييز ضرراَ مضاعفاً جراء الضرر المباشر من مثل تفويت المنفعة للمعوق فضلا عن فداحة إضراره والخلل الذي يحدثه في عملية العدل التوزيعي والتي نأت بالمعاق عن الظفر بمقدمات حقوقه الكسبية شرعية – وحقوقية.

ما سبق حتم على الباحث النظر في الجانب الإيجابي للتمييز كواحد من أبرز الوسائل لمعالجة جانبه السلبي والذي يقتضي بدوره الوقوف على مفهوم " العدل التوزيعي" للكرامة والموارد وجعله الأساس لحل إشكالية حقوق المعوقين وبالتالي فقد تمركز المحور الرئيس للبحث حول ضرورة التحول من الاستجابة القانونية في رعاية المعوقين المبنية على الحسنات والهبات إلى الاستجابة للفرضية القانونية المناسبة والمتجذرة في مبادئ " العدل التوزيعي". مع اقتراح أدوات أخرى من شأنها أن تعالج معضلة "التباين الشخصي" التي يرزح المعوق تحت نيرها كمبدأ العدل التصحيحي أو الترميمي الذي تفرضه الحاجة الملحة للمعوق.

الجانب القانوني

أما الجانب القانوني للمشروع فقد تناول عرضاً لنماذج من قوانين عصرية جادة ومثمرة تحرم التمييز ضد الإعاقة وتحمي حقوق المعوقين بفاعلية إذ تضمن التنفيذ وفق آليات عدلية؛ يأتي ذلك العرض العلمي في مقابل بعض القوانين والتشريعات العربية للإعاقة، وذلك بالقيام بقراءة نقدية تحليلية مع إجراء موازنة فكرية وقانونية في سبيل الإفادة من الآخر بصورة نقدية من حيث استخدام قالب القانون المقارن، والذي هو بذاته ليس قانوناً وإنما وسيلة إصلاحية المبتغى منها تشكيل تشريعات قانونية عصرية تروم الإفادة من الآخر والتي من شأنها أن تحمي الحقوق والسير بها نحو المساواة الشاملة التي نفتقر إليها على امتداد عالمنا الثالث كله. بينما جاء الجزء الختامي من الدراسة في جانب عملي معنوناً ب " الإعاقة وتتبع العدالة " وذلك بجلب الثمرة الفكرية والفلسفية المقارنة والخروج بمبادئ وأسس تبنى عليها حقوق المعوقين وتحرم التمييز ضدهم مستندة على أسس دينية وأخلاقية برؤى معاصرة للحرية والمساواة ومعايير العدالة.