المسافة بين حي مصر الجديدة بالقاهرة وحي المهندسين بالقاهرة ليست قصيرة، لكنها تراءت لي ذلك المساء أقصر بكثير.. لقد انشغلت قواي الذهنية في البحث عن مفاتيح شخصية يمنية اقتربت جداً من عبدالله القصيمي إلى مستوى صداقة كبيرة ظلت عنواناً لعلاقة لم تنقطع إلا برحيل القصيمي.. بل لم تنقطع، لقد رأيتها حية متألقة في عقل الأستاذ حسن السحولي.. وكأنه يصر على البقاء في رحاب صديقه الكبير الذي رحل قبل أكثر من عشرة أعوام.

عندما هاتفت الأستاذ حسن السحولي، السفير اليمني السابق بالقاهرة، وذكرته بلقاء سابق، استعاد صوته حيويته، وعلت نبرته اليمنية المميزة، وتحركت انفعالاته فقط عندما عرضت عليه لقاء موضوعه عبدالله القصيمي واليمن.

يدهشني هذا القصيمي، فلم أجد اقصر طريق لعبور عقول أصدقائه القليلين سوى استعادة ذاكرتهم في حياة القصيمي، ولم ألمح شغفاً وحباً ورقة واهتزازاً جميلاً في ملامحهم سوى عندما أتلمس ذلك الخيط في محاولة لاستعادة ذكرياتهم معه وعلاقتهم به ورؤاه حول قضايا كانت وما زالت تشغلهم.

"كلموني أبداً.. كي يخف الألما" هذا ما كان يردده القصيمي على أصدقائه الأقربين.. وكأنه لا يطيق هجرهم، ولا يرى نفسه بدونهم. كان يرق لهم ويبحث عنهم ويتألم أشد الألم ليبعدهم. تساءلت: يا ترى هل كان يحتمي بأصدقائه خوفاً من افتراس الألم الداخلي.. ذلك الوحش الشرس الذي لم يتداو منه، ولم يجد له علاجاً، ولا عزاء، إلا باحتمائه بوجه الإنسان من أصدقائه المقربين!!

قررت أن يكون حديثنا عن اليمن وحده في عقل القصيمي علاقته به، وانفعاله من أجله، وصحته لشخصياته. ألا يستحق اليمن أن يكون عنواناً لافتاً وبارزاً في تاريخ هذا الرجل الإشكالية؟.. هذا الرجل المعذب بالإنسان والتاريخ والتراث، والمعذب برؤية تستبد به، وتأكل من صفائه، وترحل به إلى عوالم العدوان على النفس والذات والتاريخ.

من يقرأ القصيمي الضاخ الصارخ المنفعل القاتل والمقتول.. ربما لا يعرف أنه على النقيض شخصية وحضوراً، رقة وهدوءاً، حباً وإيثاراً. شخصية الكاتب العنيفة والضاجة الباكية الساخطة، التي لا تتورع عن تلك الصدمات تقذفها في وجه القارئ، تخفي خلفها شخصية أخرى سمتها الرقة والهدوء الإيثار الكبير والحزن العميق على مشهد الإنسان البائيس المعذب المتألم.

عندما كتبت قبل أكثر من عام مضى "خمسون عاماً مع عبدالله القصيمي" كان ثمرة حوار طويل مع صديقه الأستاذ إبراهيم عبدالرحمن الذي رافقه خمسون عاماً.. قلت أن القصيمي فكراً ليس محجوباً عن القارئ، لكن رؤى الرجل السياسية وتكوينه الإنساني وعلاقاته بما حوله لم يكتب عنها حتى اليوم شيئاً يذكر. وعندما أبحث في عقل بقية قليلة نادرة احتفل بلقائها، أحاول أن أتسقط بعض معان، كانت ومازالت في عقولهم وقلوبهم، إنه الاكتشاف المثير في سجل قراءة علاقات ورؤى ونزعات شخصية فكرية جدلية لا يمكن تجاوزها. وأرجو أن يتواصل هذا المشروع مع آخرين، رغم إدراكي أن البحث في ذاكرة المتبقين منهم مهمة شاقة.

استقبلني الأستاذ حسن السحولي في شقته في حي المهندسين بكرم وبشاشة أبناء اليمن وحفاوتهم، ربما كان يحتفي بلحظة القصيمي، ذلك الصديق الأثير على نفسه وقلبه ومشاعره.. اعتذر كثيراً عن بلوغ سن اليأس من الذاكرة، ولم أعدم أن أجد الكثير مما يستحق القراءة والتوقف.

قلت له أريد أن اعرف القصة الكاملة؟ علاقة القصيمي باليمن لا يمكن تجاوزها. متى بدأت هذه العلاقة؟ وكيف بدأت؟ وهل كان ثمة دور للقصيمي في التأثير على مجريات الأحداث باليمن عام ١٩٦٢م؟ لنتجاوز لقاءات الحديقة اليابانية في حلوان مع البعثة الدراسية اليمنية حيث كان يسكن القصيمي. كيف بدأت العلاقة وكيف امتدت، ولماذا فقط أبناء اليمن هم الأكثر ارتباطاً بالقصيمي؟

قال لي: "بدأت علاقة القصيمي باليمن في تاريخ أبعد من لقاءات الحديقة اليابانية. لقد تشكلت علاقة القصيمي باليمن منذ تعرفه على الأستاذ أحمد محمد النعمان في الأزهر، لقد ظلا على صلة وثيقة وقوية، وكان النعمان مفتاح تعرف كثير من رجالات اليمن وأبنائها على القصيمي.. إن تاريخ تلك العلاقة أبعد من حلوان.. في الأزهر تعرف على عدد من الشخصيات اليمنية آنذاك منهم الأستاذ سلام فارع، وسالم الصافي، ومحمد صالح المسمري.. وكانوا حينها يشكلون رابطة لدعم التغيير باليمن وينشطون بهذا الاتجاه.

لقد ربطت النعمان بالقصيمي علاقة ود وحب واحترام كبير. كتب يوماً القصيمي عن النعمان "يا صانع النور باليمن" وكان النعمان يقول لنا، نحن محبوه ومريدوه وأصدقاؤه إنني اعجز عن مجاراة هذا الفكر المخترق وهذا العقل المقتحم.. وكان النعمان من أكثر الشخصيات قدرة على التأثير على القصيمي في دفعه لاتخاذ بعض القرارات لا على مستوى الفكر، فالقصيمي مستعصي على التأثر فكرياً، ولكن على مستوى بعض القرارات التي تخصه في حياته ومعاشه وصحته ومرضه.

كان الأستاذ أحمد النعمان يصطحب الكثير من الشخصيات اليمنية للقاء القصيمي، ومن هنا اتسعت دائرة علاقات القصيمي بكثير من اليمنيين المقيمين آنذاك بالقاهرة أو الزائرين لها. وهي شخصيات أصبح لها دور وتأثير في أحداث اليمن فيما بعد. منهم السفير اليمني السابق أحمد الشقني، والأستاذ مصطفى يعقوب وزير خارجية عبدالله السلال، ونائب رئيس الوزراء الأسبق حسن مكي وأحمد انعم غالب وقد تولى وزارة التعليم العالي باليمن والذي اقترن بابنه عبدالله القصيمي، وغيرهم.. وأتذكر أن الرئيس اليمني الراحل إبراهيم الحمدي طلب مني شخصياً أن اصطحبه لزيارة عبدالله القصيمي. وفي أجواء الجدل المثير في مجلس القصيمي - الذي يمتد لساعات - تأثر كثير من الطلبة بالقصيمي وأصبح اسمه يتردد بينهم.. لم يك القصيمي ثائراً يدعو للتغيير عبر الثورة وقلب النظم.. ولكنه كان داعية للتغيير ونفض الغبار عن العقل العربي ولكن ليس على طريقة الانقلابات، فهو لم يكن يؤمن بجدواها، ويرى الضرر الذي تخلفه أكثر من أي رجاء فيها.. وكان يرى الإنسان اليمني هو التجسيد الحقيقي للإنسان العربي".

كيف كان يرى الإنسان اليمني تجسيداً للإنسان العربي؟

استمهلني دقائق ليعود برسالة كتبها القصيمي بتاريخ ٢٥/١٢/١٩٦٨م، وقد أعاد نسخها الأستاذ حسن السحولي بخطه الجميل، وقد أطلعني على الجزء الذي يدور حول هذا المعنى، حيث يقول القصيمي: (إن اليمن هو جهاز أو مكان التصدير للإنسان العربي في كل وطن عربي. إذن فالإنسان اليمني هو التفسير الشامل والدائم للإنسان العربي، كما أنه بمواهبه وخصائصه القوية أو الضعيفة هو المسؤول عن الإنسان العربي أين كان ومتى كان. فكما نرى الإنسان اليمني وكما يكون لا بد أن نرى كل إنسان عربي ولا بد أن يكون. إن الإنسان اليمني هو مخزن خصائص كل عربي فماذا وجدنا في هذا المخزن من خصائص؟

إن الثورات المسقطة والمغيرة للعهود أو للحكام أو للمذاهب والنظم ليست هي التي تصنع التغيير الأعظم والأقوى أو الأتقى أو الأذكى أو الأفضل.. ليست هي التي تصنع التطور أو التحضر أو القوة أو الإبداع أو التخطي للبداوة أو للعهود والمستويات الأمامية ولكن الذي يصنع ذلك هو الموهبة. فالشعب الذي لا يكون ليس لأنه بلا ثورة أو ليس محتاجاً إلى ثورة وإنما هو شعب بلا موهبة ومحتاج إلى موهبة.. والشعب الذي يكون ليس لأنه يملك ثورة وثواراً ولكن لأنه يملك موهبة وموهوبين.

إن مشكلة اليمن إذن وكذا كل وطن عربي ليست في أنه لا يملك ثورات ولا ثوار بالتفسير المطلوب أو المشروح في الكتب والخطب أو في التعاليم.. ولكن مشكلته في أنه لا يملك القدر المطلوب والكافي أو الأدنى من المواهب ومن الموهوبين.

وكيف تخلق المواهب والموهوبين؟ هل تخلقها وتخلقهم الثورات؟ ليت ذلك كذلك، ولو كان كذلك لكانت المواهب والموهوبين أرخص الأشياء وأكثر الأشياء.

إن أي شعب نراه الآن أفضل أو أعظم أو أقوى منا ليس لأنه أكثر ثورات أو ثواراً، بل لأنه أكبر وأعظم وأقوى مواهب منا.. إذن ماذا يمكن أن يصنع لليمن هذا العبث الهازل المتتابع وهذا التغيير المجنون.. إنني لأعجب واحزن كيف يتقبل اليمنيون هذا الأسلوب في التغيير..).

ولذا لا عجب أن يكتب يوماً القصيمي لصديقه الكبير الأستاذ أحمد محمد النعمان "صانع التغيير باليمن" بعد تتابع الأحداث ودخول الثورة اليمنية في مرحلة صراع الأجنحة: (إلى الذي صنع الحبل، ثم هرب من المولود لدمامته). وهذه العبارة تقدم رؤية القصيمي لمولود الثورة آنذاك.

لم يكن للقصيمي علاقة مباشرة بالثورة اليمنية التي تفجرت عام ١٩٦٢م، إلا أن هذا لا يعني ألا تكون له علاقة ببعض زعماء الثورة آنذاك، كما لا يعني أنه لم يحدث تأثيراً فكرياً في الطلبة اليمنيين المقيمين بالقاهرة. لقد أخذت تلك العلاقة بعدها في جانبين، أولهما علاقته بآباء الثورة اليمنية كالأستاذ أحمد محمد النعمان وشاعر الثورة اليمنية محمد محمود الزبيري واللواء عبدالله حزيلان.. وغيرهم، وهي علاقة قديمة، بعضها امتد منذ ثلاثينات القرن الماضي.. أما الجانب الآخر فهو علاقته بالطلبة اليمنيين الذين كان يلتقي بهم في الحديقة اليابانية عندما كان يقيم في حلوان، حيث كان يبث أفكاره الثورية، وهي الأفكار التي لا تحمل مضموناً انقلابياً على طريقة سطو العسكر، ولكنها أفكار رفض وتمرد على واقع الحال في اليمن والنضال من أجل التغيير الذي يطال العقل والواقع اليمني.

الأسبوع القادم يتواصل الحديث.. "لماذا أخرج ضباط حركة يوليو القصيمي من مصر؟".