لم يعد الطفل أكرم ذو الأحد عشر ربيعا يقوى على رفع بصره في مخاطبه وإن كان من بين أقرب الناس إليه، حتى المدرسة لا يستطيع أن يذهب إليها وحده. وكأنه لا يزال طفلا صغيرا يتحسس الخطوات الأولى في درب الحياة بخوف وترقب، لا يمكن لأكرم أن يغادر البيت إلا وأمه معه تضع يدها في يده. لقد أصبح أكرم يتوجس خيفة من كل الذين حوله، إنه فقدان الثقة في الكل بحسب ما ذكر لأمه الطبيب النفساني الذي يعالجه. حالة أكرم أغرقت الأسرة بأكملها في دوامة لا تنتهي من القلق، هل سيعود أكرم ذلك الطفل الحركي والنشيط كما كان؟؟ هل ستعود البسمة إلى وجهه لتضيء أركان البيت الذي أظلم منذ أن تعرض طفل الأسرة المدلل إلى ذلك الحادث المأساوي؟؟..إلى الاغتصاب من طرف أحد حراس النادي الرياضي الذي اعتاد أن يرتاده كل يوم؟؟

إنه السؤال الذي تطرحه أم أكرم كل يوم على نفسها، بل كل ساعة وكل دقيقة كما تقول.."لقد انقلبت حياتنا إلى جحيم بعد الاعتداء البشع الذي تعرض له أكرم، إن حالته النفسية تقلقنا كثيرا ولا نتصور أنه سيرجع يوما ما كما كان من قبل".

ليست حالة أكرم هي الوحيدة في عالم تشير تقارير المنظمات المختصة أن الطفل فيه لم يعد يمكن أن يشعر بالثقة حتى في أقرب الناس إليه. فالإحصائيات تشير إلى أن الاعتداء الجنسي على الأطفال في تزايد خطير وصادم، وأن البيوت والمدارس والأندية لم تعد أمكنة آمنة للأطفال، ناهيك عن الشارع. وفي كل يوم تكاد لا تخلو صفحات الجرائد من أخبار تشير إلى محاكمات أو اعتقالات في حق جانحين، وحتى معلمين ومربين وأقارب من ذوي الأصول، اعتدوا على براءة أطفال. وهذا التزايد المقلق للاعتداءات الجنسية على الأطفال أكده التقرير السنوي لجمعية "ما تقيش ولدي"، والذي أكد أن الاعتداء الجنسي على الأطفال في المغرب ارتفع بنسبة 536 في المائة !!!!

نجاة نور رئيسة جمعية "ما تقيش ولدي" وهي تقدم هذه الأرقام الصادمة، حاولت أن تدق ناقوس الخطر بخصوص ظاهرة تنامي الاعتداء الجنسي على الأطفال. وأوضحت نور في ندوة صحافية وهي تعرض تقرير جمعيتها "الاعتداءات الجنسية على الإناث من الأطفال تصدرت الانتهاكات المسجلة ضد الطفولة هذه السنة، بما مجموعه 168 حالة اعتداء على فتيات، بنسبة 54.90 في المائة من مجموع الحالات المرصودة في التقرير، في حين سجلنا 138 حالة بالنسبة للذكور من الأطفال خلال سنة 2008، بنسبة 45.10 في المائة".

وبحسب التقرير دائما، جاء الاغتصاب على رأس قائمة الاعتداءات الجنسية التي تعرض لها الأطفال بنسبة 48 في المائة، ثم 59 في المائة حالة اغتصاب مصحوبة بالعنف !!!

لكن الأخطر من هذا كله، أن الأحكام التي صدرت في حق مرتكبي الاعتداءات الجنسية على الأطفال لم ترق إلى مستوى هذا الجرم الفظيع، وهو الأمر الذي جعل المنظمات الحقوقية ومن بينها جمعية "ما تقيش ولدي" (التي تعني "لا تمس ولدي") تدعو مؤسسات الدولة وهيئات المجتمع المدني إلى تحمل مسؤولياتها في مواجهة تزايد هذه الظاهرة الخطيرة.

وبحسب نجاة نور رئيسة "ما تقيش ولدي"، فإن ضعف الأحكام الصادرة (تتراوح في الغالب ما بين السنتين إلى خمس سنوات) في حق المعتدين جنسيا على الأطفال تشجع على حالات العود ولا يمكن أن تساهم في القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة. وقد دعت نجاة نور إلى تشديد العقوبات على المعتدين جنسيا على الأطفال بصفة عامة، كما طالبت بمحاربة ما يسمى ب"السياحة الجنسية" التي تعتبرها من أسباب ارتفاع نسبة الاعتداء الجنسي على الأطفال، وأكدت على ضرورة إسقاط "الحصانة السياحية" على الأجانب المتورطين في هذه الجرائم وعدم التساهل معهم. وأعطت مثالا بقضية "هيرفي لوكلوانيك" الذي لم يكتف بالاعتداء الجنسي على أطفال وإنما صور عمليات الاعتداء ووزع أفلاما تخص دعارة القاصرين، وقد ضبطت في حاسوبه الشخصي 17 ألف صورة و140 ألف تسجيل فيديو كان يرسلها إلى مواقع إباحية، ومع ذلك أصدرت المحكمة في حقه حكما بالحبس 4 سنوات، خفضت في مرحلة الاستئناف إلى سنتين فقط !!!