المملكة العربية السعودية شاسعة المساحة، واسعة الأطراف، تشاركها دول عديدة في الحدود الجغرافية، لها ثقلها السياسي والاقتصادي والثقافي، والمجتمع السعودي متعدد الثقافة، متنوع العادات، خطا خطوات سريعة نحو التطور والانفتاح فتعددت قضاياه، وتوسعت مداركه وسبله، وتباينت بعض أفكارة وآرائه، واختلفت تصوراته، وهذا أمر طبيعي، ونتيجة حتمية لمجتمع يسير بخطى تختصر الزمن، ويواجه تطورات عصرية، وتقنيات علمية، وانفتاحا على الشبكة العنكبوتية، واطلاعا على مجتمعات ومعارف أخرى، فهيأ الله خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حيث نذر نفسه، وأطلق مبادرته، وأنشأ مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني الذي ساهم بشكل فعال في تقارب وجهات النظر، ونبذ الخلاف، ووأد الفرقة المذمومة، تألق المركز في جمع الكلمة، وتوحيد الصف، وغرس احترام الآخر في النفوس، وفي جامعة الإمام وقبل سنتين صدر الأمر السامي بالموافقة على إنشاء مركز للدراسات الإسلامية وحوار الحضارات الذي يصب في هذا المجال، ويخدم التوجه، ويعزز هذا الاتجاه، لكننا نطمع بالمزيد، ونطمح في التوسع في الحوار لما للحوار من فوائد شتى، وقدرة على التعايش، وهذا هو الأصل، وهو الذي جاءت به الديانات السماوية، ولقد ساءنا ما تردد على بعض ألسنة منسوبي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ومن يتفق مع هذه القلة من خارجها، وبعد استضافة قسم الأدب بكلية اللغة العربية لسعادة الدكتور عبدالله الغذامي الأديب السعودي المعروف، وأحد أعضاء هيئة التدريس بجامعة الملك سعود وأعني من لا يتفقون مع بعض أفكاره فأغلقوا باب الحوار، ونظروا من زاوية واحدة، وأطلوا من نافذة ضيفة، وصادروا الرأي الآخر، وزاد الطين بلة أن الشائعات تسير أعلى سرعة من سرعة الريح، وتنتشر انتشار الأوبئة، فلظرف طارئ وهو السفر المفاجئ لمعالي مدير الجامعة في مهمة رسمية خارج الرياض كما جاء تصريحه في الصحف وهو الحريص على حضور المحاضرة فقد تم تأجيلها وليس إلغاؤها ليتم تكريم الضيف أو قل صاحب المكان أو راعي الدار من قبل المدير، ذلك أن الدكتور الغذامي كان وفياً مع الجامعة يكمن ذلك في محبته لها، وولائه الذي لا يخالجه شك، ولا غرو فهو أحد خريجيها، وفي تصريح له بعد دعوته يقول: «ومن حسن حظي أن تتوافق عودتي لجامعتي ودعوتي إليها في آخر سنة من حياتي العملية وقبل تقاعدي» فقد كان شغوفاً بالعودة إليها والرجوع لها وسعادته كانت بلغت مداها بعد عودته، يؤسفنا أن لا تصدر عبارات ترحيب من بعضنا فضلاً عن كلمات لمز وغمز واعتراضات تحاول منع دخوله، ولئن كنت أختلف مع أستاذنا الكبير الغذامي في بعض طرحه وأصطدم ببعض أفكاره إلا أنني سأكون سعيداً إذا تكرم وعلا مسرحاً من مسارح الجامعة وتمت مناقشته ومحاورته من بعض المختصين فإن كان الحق معكم فأقنعوه، وإن كان الصواب معه تبعناه فلماذا كل هذا الرعب من الغذامي؟ ولماذا كل هذا الحذر من الحوار؟ ولماذا كل هذا الخوف من سماع الرأي الآخر؟ أهي ضحالة في تفكيرنا، وهشاشة في فكرنا فنخشى الانخراط في ما لدى الخصم؟ إن كان ثمة خصم هناك، إن الترحيب بقبول الحوار مظهر حضاري، وثقة تامة لدى قابله ومستقبله، وما إغلاق هذا الباب إلا إشارة واضحة ودلالة قصور لدى المعارض؟ إن الذي يحمل بين جنبيه ثقة بما لديه لن يضيره الأمر وسيسعد متى أتيح اللقاء لأنها قليلة هي الفرص االتي تتأتى لمن يحمل فكراً أو يريد الدفاع عن فكرته، ثم هب أننا اختلفنا معه هل يعني ذلك الحكم عليه بالإقصاء ومحاربته ونبذه، إن الاختلاف لا يفسد للود قضية وعلى ذلك تربينا وعليها نربي أجيالنا، نحن أصحاب أرض واحدة ودين واحد وقضية واحدة فكيف نرضى لأنفسنا بهذه التصرفات؟

زملائي وبني قومي إني لأناشدكم أن تتحرروا من التبعية، فأطلقوا لأنفسكم عنان التفكير وستجدون أن الحق هو مع أدب الحوار، والاستماع للآخر، وصدقوني أنكم بطريقتكم هذه تعظمون جانب أي خصم كان لكم متى ما أثرتم مثل هذه الزوبعات، ونهجتم منهج المنازعات، وتعاطف الآخرون مع خصومكم، وتحقق لهم ما يريدون وخرجتم بلا نتيجة، ورجعتم بخفي حنين، إن الدولة - حفظها الله - تسعى سعياً حثيثاً للم شمل المجتمع من أجل توحيد الكلمة وتحقيق الهدف ولذا لم يتردد صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية في الموافقة على إنشاء كرسي الأمير نايف لدراسات الوحدة الوطنية في جامعة الإمام محمد ثقة منه - حفظه الله - في مسؤوليها ومنسوبيها لتولي زمام هذا الأمر بغية خلق جو للائتلاف والالتفاف، وتقوية أواصر المحبة، وغرس جذور حب الوطن، والبعد عن كل ما ينغص المجتمع من السب والشتم، عصرنا اليوم عصر محاورة واحترام للرأي الآخر، والاحترام لا يعني الأخذ به كما لا يعني معاداته وإقصاءه.

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية كغيرها من المؤسسات التعليمية في المملكة العربية السعودية مطلوب منها تحقيق رسالة ولا تتحقق إلا بقبول الأطراف الأخرى، والحوار الهادئ، وتفعيل عامل الاحتواء بعيداً عن الزج بها في مستنقع الإقصاء، وهو المنهج الذي سار ويسير عليه القائمون عليها والآخذون بزمامها، فأبوابهم مفتوحة، وقلوبهم تسع الجميع، وما دعوة الغذامي وتأجيلها إلا حرص من مدير الجامعة على حضورها شخصياً، وبادرة منه لفتح النقاش، وفسح الحوار، وتقريب وجهات النظر، ومن أجل هذا فإنني أدعو الجميع أن يتحلوا بالصبر والمثابرة، وأن يوسعوا مجال النقاش والمحاورة، وأن يتجاوزوا كل ما لا يخدم المصلحة العامة، بحثاً عن الحق، وطلباً للنتيجة الصحيحة، ورغبة في تحقيق الهدف.

  • أستاذ الأدب المقارن بقسم الأدب

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية