في بداية البداية يحسن تحرير نقطتين مهمتين أولهما: إن ذكر محاسن شخص ما أو مسؤول لا يعني المذمة لآخر ممن سبقه في مكانه أو خلفه بحال من الأحوال فليس إلا القرب الإداري الذي مكّن من الإطلاع على أمور كانت تخفى في السابق أو قد تخفى عن الآخرين، والأخرى أن هذه الأسطر تكتب ومن كُتبت فيه خارج كرسي الوزارة فلا مصلحة ترجى إلا وفاءً لمبدأ الوفاء نفسه الذي إن لم يكن هذا محله ووقته فمتى يكون؟

ومن هاتين المقدمتين يمكن القول: إن الكتابة عمن ترجل عن منصبه لا يمكن إدراجها ضمن المصلحة الشخصية المنتظرة بحسبان تعذر ذلك ابتداء، فكتابتي عن الأخ الفاضل معالي الأستاذ الدكتور علي بن إبراهيم النملة وزير الشؤون الاجتماعية سابقاً فيها من المندوحة الشيء الكثير، فلقد بدأت معرفتي بالدكتور علي النملة قبل عدة سنوات عندما زرته مع مجموعة من الزملاء في الحي الذي نقطن فيه سوياً لشأن عام ومصلحة مجتمعية نطلب نصحه فيه، فكانت النصيحة والمعرفة، ودارت الأيام ودخل معاليه مجلس الشورى في دورته الأولى ثقة قوية فيه من الدولة ورجاحة عقله وشدة نصحه لهذا البلد، وتدور الأيام دورتها ليعين وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية قبل فصل قطاع العمل عن قطاع الشؤون الاجتماعية وتواصل الأيام دورتها ليستقل الشأن الاجتماعي بوزارة مستقلة ويكون هو المسؤول الأنسب من وجهة نظر القيادة للشأن الاجتماعي وذلك بما يتصف به من خيرية ونصح للمجتمع، فكان القرب الإداري من معاليه في العمل بعد أن تتلاحق المواقف ليكلف بمهمتين لا تقل أهمية عن مسؤولية الوزارة ذاتها، وهي: رئاسة الفريق المكلف بوضع الاستراتيجية الوطنية لمعالجة الفقر في المملكة العربية السعودية، والإشراف على الصندوق الوطني لمعالجة الفقر، وسيأتي الحديث عنهما بعد الحديث عن بعض الوقفات مع معالي الدكتور علي النملة أو (أبو حمد) كما كان يُفضل المناداة بها وباستمتاع، فمن هذه الوقفات:

الوقفة الأولى: كل من تعامل مع معالي الدكتور علي النملة ولو للمرة الأولى لا يمكن أن تفوته التلقائية والبساطة التي يتعامل بها معه لدرجة يشعر بها المقابل أن الواقف أمامه من خاصة صحبه منذ زمن بعيد، فضلاً عن تواضعه الجم وتبسطه مع جميع المراجعين بلا استثناء حتى وإن أغلظوا القول وهم كُثر لطبيعة موضوعات الوزارة وحاجة المترددين عليها كما لا يخفى، ولا أذكر أنه مرّ يوم دون أن نرى معاليه ممسكاً بيد مراجع عند مدخل الوزارة أو مكتبه وتجده يمارس هذا التبسط في الحديث مع المراجعين ومناقشتهم بتلقائية وأريحية طبيعية وغير متكلفة، فيذهب المراجع وهو منتشياً بهذه المقابلة فضلاً عما وجده من إنجاز وبمتابعة شخصية من أعلى مسؤول في الوزارة، لذا لا عجب أن يخصص يوم الخميس من كل أسبوع دواماً رسمياً له لدراسة المعاملات ذات الطبيعة التي تحتاج إلى مواصلة فكر، فخلال السنوات الست التي أمضاها معاليه في الوزارة لم يكن يوم الخميس لديه قاموس الإجازة الأسبوعية، بل كان يوم عمل وعمل حقيقي.

الوقفة الثانية: لقد وقف وقفته الشجاعة معلناً عن موضوع الفقر في المجتمع السعودي في الفترة الأخيرة في حين كان يوجد من معاصريه من يُصر على أن الفقر لا يعدو حالات معدودة في المجتمع السعودي ولم يصل لحد الظاهرة أو المشكلة الاجتماعية فكان التتويج بالاعتراف بهذه المشكلة من لدن القيادة العليا المتمثلة بالزيارة المشهورة في ليالي رمضان من قبل صاحب السمو الملكي ولي العهد، فكان بعدها ما كان من تشكيل فريق لإعداد استراتيجية لمعالجة الفقر وفي اعتقادي أن كرسي رئيس هذا الفريق هو المملوء بالدبابيس وليس كرسي الوزارة حسب تعبير معالي الدكتور غازي القصيبي في مقالة له وداعية رائعة للوزيرين النملة والرشيد في صحيفة الجزيرة، وقد بذل معاليه من الجهد في رئاسة الفريق ما شعر به كل مشارك معه بأن قضية الفقر في المجتمع أضحت قضية شخصية لمعاليه تعايشت معه صباحاً ومساءً وحضراً وسفراً.

فمما لا يعلم أن اجتماعات هذا الفريق تتواصل بالساعات لإنجاز الاستراتيجية في الوقت المحدد، لدرجة أن بعض الاجتماعات كانت تُعقد في الطائرة خلال الرحلات التي تمت لزيارة أمراء المناطق للتشاور معهم في هذا الشأن، وهناك محاضر مثبتة في هذا الشأن ويكتب في خانة (مكان عقد الاجتماع) عبارة (في الطائرة أثناء السفر من إلى)، كما قام بتخصيص يومي الأحد والثلاثاء للعمل في مقر هذين المشروعين حرصاً منه على سرعة الإنجاز ودقته. فهل بعد هذا اهتمام يفوق اهتمام معاليه، وكم كان يتألم وهو يرى أحد الصحفيين يتهم فريق الاستراتيجية بالتباطؤ أو

الكسل في إعدادها، وأظن معاليه في حالة ابتهاج وسرور وهو يرى ثمرة عمله المتواصل طوال تلك السنتين الممنوحة له من القيادة العليا لإنجاز المهمة ذلك أن خروج معاليه من الوزارة ومن رئاسة فريق الاستراتيجية الوطنية لمعالجة الفقر سبق بأيام فقط الانتهاء من طباعة التقرير النهائي للاستراتيجية، وهي مهمة سيواصل عبئها وإنجازها ولا شك معالي الوزير الجديد الدكتور عبدالمحسن العكاس تحفها الدعوات بالتوفيق من الله عز وجل لتأخذ طريقها للتنفيذ لما يؤمل منها من آثار ملموسة على المدى القريب والبعيد.

الوقفة الثالثة: كان معاليه يجيد وباحتراف الخروج عن المألوف في العمل والتعامل باحتراف متميز أو ما يمكن أن يسمى في عُرف أهل المسرح بـ (الخروج عن النص) فيجتمع الجمع في المحفل العام أو الاجتماع الرسمي وهو يتوقع منهجاً معيناً سبق السير عليه، فإذا معاليه يفاجئ الجميع بأسلوبه الرائع القادر على كسب قلوب المجتمعين وتقريب وجهات النظر بشكل ودي محبب إلى الأنفس، وكم تكرر ذلك في المحافل العامة والاجتماعات الرسمية داخل الوزارة وخارجها في اللجان التي كُلف معاليه برئاستها مثل اللجنة الوطنية لرعاية السجناء، ولجنة كبار السن، وفريق الاستراتيجية الوطنية لمعالجة الفقر، والصندوق الخيري لمعالجة الفقر، والعديد من الاجتماعات التي تتم بشكل دوري مع أصحاب السمو أمراء المناطق، لذا عنونت المقال بهذا الموضوع لتميز معاليه بذلك وباقتدار، والشواهد في هذا أوسع من أن تُحصى كماً وكيفاً، فأصبحت اجتماعات مسؤولي الوزارة مع معاليه ذات طابع مختلف، واجتماعاته مع من له ارتباط بأعمال الوزارة من المواطنين أو الجهات أو اللجان ذات نكهة خاصة هي للود والإنجاز العملي أكثر من اجتماع العمل المجرد، وكل من كان له فرصة التعامل مع معاليه في هذه اللجان وفرق العمل يعرفون هذه الممارسة ويستمتعون بها فالدارج في مثل هذه الاجتماعات التي يرأسها مسؤول كبير أن تأخذ الطابع الرسمي ذات الروح المتكلفة أحياناً، إلا أن معاليه كان لديه من الأريحية الإدارية والقدرة على ممارسة فن إدارة الاجتماعات ما يجعل العمل مع معاليه فرصة سعيدة بحق للاستمتاع بالعمل، ومما يحسب لمعاليه أن هذا الطبع لم يكن مقتصراً على المجامع داخل المملكة العربية السعودية فقط، بل يمتد حتى خارجها.

الوقفة الرابعة: تعاطفه الشديد مع الأيتام ومن في حكمهم من ذوي الظروف الخاصة، فقد كانت قضيته منذ اليوم الأول الذي دخل فيه الوزارة، ومما يحسب لمعاليه تجاوزه الاهتمام المادي المجرد بهم من ملبس ومأكل ومسكن - وهي ضرورية - إلى الاهتمام بالجوانب التربوية والأخلاقية والسلوكية، وكيفية تربيتهم ومن يقوم على تربيتهم فقد كان التدقيق والتمحيص على من يباشر العمل معهم مستمراً للتأكد من حسن تربيتهم مسلكاً ودرباً وإن حصل هنات هنا أو هناك فكفى المرء نبلاً أن تُعد معايبه، ثُمَّ لما برزت قضية الأيتام الكبار ممن انتهت فترة رعايتهم لدى الوزارة حسب النظام كان السعي من معاليه لايجاد المؤسسة الخيرية لرعاية الأيتام التي تعنى بشأنهم وتتخصص في العناية بهم فكانت، وكان باكورة إنتاجها مشاريع تزويج وتشغيل مجموعات منهم.

الوقفة الخامسة: موقفه من الجمعيات الخيرية والمؤسسات الخيرية الخاصة، فلن أتحدث عن الأرقام وتناميها في عدد الجمعيات والمؤسسات الخيرية الخاصة، ولكن هنا موقف لابد من الإشارة إليه وهو موقفه القوي من تنقية ساحة الجمعيات الخيرية من أي شوائب بعد الهجمة على العمل الخيري بعمومه وليس الجمعيات الخيرية السعودية فقط بعد الحادي عشر من سبتمبر، ثُمَّ لما كانت تهورات الفئة الضالة في هذا البلد ومحاولة البعض ربط اسم الجمعيات الخيرية بهذه القضية بحسن نية أو بسوء مقصد أحياناً أخرى، كانت الوقفة القوية والمتواصلة من معاليه لتوضيح ذلك داخل المملكة وخارجها فكان موقفه هو الداعم - بعد الله عز وجل - لاستمرار عمل هذه الجمعيات وتنامي مداخيلها على الرغم من شراسة الهجمة وضراوتها.

الوقفة السادسة: تعامله الإنساني مع موظفيه سواء اكانوا صغاراً أم كباراً في السلم الوظيفي كان يتصف بالثبات والمنهج الأخلاقي الواحد، فكم وجده بعض الموظفين بينهم فجأة، وكم توقف كثيراً في ممرات الوزارة ليسلم على هذا الموظف أو ذاك المستخدم، ويحتفى به ويداعبه بغض النظر عن مكانته الإدارية، والجميع لا ينسى وقفته السنوية مع الموظفين ذوي الدخول المادية المنخفضة وسعيه لتدبير عادة سنوية لهم تعينهم على نوائب الزمن، ولا أظن الأيتام والأرامل والمطلقات إلا يدعون له بظهر الغيب بما سعى واجتهد لتخفيف الكثير من القيود الإدارية التي كانت أحياناً تعرقل مصاريفهم الضمانية فكان أن وجد الزملاء في وكالة الضمان الاجتماعي ما يعينهم على تخطي العديد من العقبات الإدارية في نظام الضمان القديم، فكانوا خير معين له على تسهيل الكثير من الإجراءات الإدارية التي كانت تحرم مستحقا لقصور في النظام ليس إلا. ثُمَّ كان الموقف الذي سوف يسجله له تاريخ رعاية الفقراء في هذا البلد بإذن الله وهو نظام الضمان الاجتماعي الجديد الذي كان محور اهتمامه حتى وصل الآن إلى مراحله الأخيرة في القنوات التنظيمية في مجلس الوزراء، وسيلمس المواطن مقدار القفزة النوعية والكمية فيه ومقدار الفخر الذي يحق لمعاليه الزهو به لو كان يبحث عن ذلك ولكنه عمل الأتقياء الأخفياء فيما نحسب ونظنه في معاليه والله حسيبه.

الوقفات الأخرى: وهي مما لا يمكن الحديث عنها في هذه العجالة مكاناً وزماناً خوفاً من الإطالة والدخول في متاهات يصعُب الخروج منها، ولكنها وقفات مشهودة ويعرفها المقربون من معاليه إدارياً وإن بدت غير ملموسة الأثر على المدى القصير، وهي تتعلق بالشأن الاجتماعي العام في المملكة والأسرة السعودية والمرأة في هذا البلد، وطبيعة هذه الموضوعات تحتاج إلى زمن لكي تلمس آثارها والسعيد من يبدأ بها لتنمو على مهل وتستوي على سوقها والزمن كفيل بالشهادة لأصحاب المبادرات الايجابية غير المسبوقة لمصلحة الدين والوطن والمجتمع.

وبكل حال فالمقصود هنا ليس سرد للمحاسن فقط ولكنها وقفات رأيت تسجيلها للتاريخ، وبخاصة بعد تشريف صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز للحفل التكريمي الذي أقيم لمعاليه وهذا تأكيد لمبدأ الوفاء لدى القيادة في هذا البلد لمن خدم دينه ووطنه ومجتمعه، فهذه الأسطر تنطلق في هذا الوقت الذي هو وقت الوفاء لمسؤول حينما يترك منصبه فمن مبدأ الوفاء للدكتور علي النملة كإنسان عرفته على مدى سنوات طويلة قبل دخوله الوزارة وبعدها، رأيت من الواجب عليَّ بثها وإن اختلفت معه في بعض المواقف أو القرارات أو بعض الإجراءات الإدارية، ولكنها تنغمُر في بحر المحاسن التي كانت ملازمة له خُلقاً وطبعاً وليس تكلفاً، وأجزم أن المحاسن المنتظرة ممن خلفه على كرسي الوزارة معالي الدكتور عبدالمحسن العكاس لن تكون أقل منه بإذن الله ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.

والله من وراء القصد.

٭ وزارة الشؤون الاجتماعية .. الوكيل المساعد للتنمية الاجتماعية