صوت من الحجاز تدفق كالماء ابتسام لطفي(خيرية قربان-1950م) شفاها الله.

الاسم الذي أختير من طلال مداح(رحمه الله) والذي نسبها فنياً إلى رفيق دربة وصاحب اول مؤسسة انتاج(لطفي زيني)بل ان هناك من اسماها(بسمة)التي أوجدت لنفسها طريقاً نحو الرقي المفرط وتذليل العقبات التي صادفتها منّذ طفولتها ، (ابتسام الغائبة الحاضرة في الفن الشرقي)، هي القضية والمنطلق نحو الابداع والقِمَم ، بعد ظهورها عام(1970م)محلياً كان العام(1973م) فأل خير بالنسبة لها حينما أجبرت بصوتها الموسيقار رياض السنباطي والشاعر أحمد رامي ليقدما لها قصيدة ولحن أغنية (وداع) ولمدة عشر دقائق بعد أن أثارها في مذكراته بأنه تعاقد مع شخصية سعودية لتلحين أغنية للفنانة السعودية (ابتسام لطفي) وبالفعل وافقت بمقابل ويذكر لنا السنباطي بأنه لا توجد هناك مطربات بهذه الإمكانية في السعودية وبعد دخولي إلى الاستديو سمعت صوتها وأداءها وأوقفت التسجيل وأرجعت المبالغ لهذا الشخص واستبدلت اللحن ليواكب هذه الإمكانية الصوتية، (إنه الندم فلم يقتنع بموهبتها في البداية).

وداع أحمد رامي:

البحث عن الشيء الذي قد يعيد رقصة الضوء في عينها, قال لها احمد رامي:( يا حبيبي وأنت أغلى من الروح..وأشهى من الحياة للصادي لست أنساك راحلا ومقيما.. كيف أنسى في العيش مائي وزادي) ، هو ذلك بعد ان سافر الى القاهرة دون ان يودعها(1970م) ،لم تكن تعلم انه(يحمل قلب إنسان إلا عندما التقته في منزلها بجدة) ، لا زالت تذكر وبمزيد من مشاعر الاعتزاز الكلمات التي قالها الموسيقار رياض السنباطي بالتعبير عن شعوره بالندم ، إنها العاشقة ابتسام لطفي(خيرية قربان)لا يلبث قلبها إلا ويدق بعد ان دقّ، ذاكرة الطفولة والتجويد والكتاتيب ما زالت في ناظرها ، تعشق تلك الذكريات ، لأن الشمس كانت تخترق عينيها ، قبل ان تغيب تلك الإشراقة.!!.

توقع أحمد قنديل غيابها عندما قال في قصيدة(نام القمر بدري)لتغنيها في بداياتها:( نام القمر بدري وحرمنا أنواره ، وتغطا بالأحلام بيضاء بلون الفل..بين السحاب التام والغيمة ، عين بتطل تجري، بنا تسري وسط السما دارة)هي إنذار عن رومانسيتها.

هواية الانغام النجدية:

استلهام من قصائد الامير بدر بن عبدالمحسن في انطلاقتها مع سمير الوادي ، الذي تنبأ بنجوميتها منذّ الصبا ، قدما (صمت الدروب)ظمن مجموعة (عبير ونام القمر)لأحمد قنديل ، في تلك اللحظات لم تكن ابتسام الا براكاين تتفجر من أحاسيس ومعاناة منتصف الطفولة ، هي ذاتها لم تتغير ، متأملة مثقفة تحادث أكثر عبر هاتفها لكسب ما قد يفوتها في عزلة انعدام الضوء.

هوايتها الالوان النجدية,قالت:(إنها معاني الكلمات الصادقة ، والألحان تأثيرها مؤثر في النفس) ، (1978م)سجلت مجموعة من الاغاني الشعبية النجدية منها(أسهى بكره)لصالح الصالح الحان طارق عبدالحكيم ، وقصيدة(هنا جيت)لأحمد الصادق الحان عمر كدرس.

صدق معاناتها جعلها تقدم فناً راقياً أوصلها في زمن قياسي خارج الحدود,تحب الحياة ،تعشق(أبوعماد) ، تتحدث عن الحياة:(بان اجمل مافيها أن نعرف كيف

نعامل الاخرين, لكن أسواء ما فيها إذا ساءت العلاقة مع الناس) ، هي تلك الطفلة التي كبرت في ظلام دامس لتعبر عن ما يجول في خاطرها من خلال جمال صوتها وحسها ، ورغم ذلك الا انها قالت:(إن الحب في وقتها أصبح أغنية وبات مفقوداً) ، تريد أن تعود عيناها لصابق طفولتها وتشاهد الناس على طبعهم وطبيعتهم ، تحاكي واقعها وتتذكر الالوان في صباها ، لا ترى الحياة الا من الناس ، صعّدت إلى درجات المجّد ، لأن من لا يعرف ذلك لن يصعد.

حالات متناقضة:

قدمت رائعة (طاهر زمخشري) والملحن عمر كدرس في أغنية (لو تسألوني) فأغنية (ينام الليل) للشاعر أحمد السعد وألحان عبدالله محمد، ثم(عبير) لأحمد قنديل وهي لعمر كدرس .

حالتين متناقضتين تجعلها تنطلق في قرض الشعر(السعادة أو التعاسة) ، تواصل مع جميل محمود (أهواك)و(شوف)لطاهر زمخشري ، هي تلك اللحظات تعود لمرارة الفقدان والألم بعد رحيل أمها ، عودة أخرى للاحزان ، انغماس في الحزن لتنفجر بالحان عبدالعظيم محمد(سؤالك سؤال) لأحمد شريف الرفاعي والأخرى (أقصم فؤادي) لاسماعيل صبري وهي قصائد بالفصحى..

(انا لن أعيش)كرائعة(1971م)للشاعر أحمد رامي والحان عمر كدرس.

كيف تغني وكيف تختار:

هواجسها في الفن فهي ترددّ:(الوسط الفني ليس جميل إذا ما فهمنا أي كلمة فيه,وليس هناك سيء إذا عرفنا كيف نغني ومتى وماذا نختار) ، حاضره ذهنياً أمام الجمهور في المسرح وان دللت على ذلك غنائها مع رموز الفن في أحتفالات أكتوبر بالقاهرة(1974م)

إنها رحلات لم تتوقف مع الملحنين أمثال الموسيقار محمد الموجي والذي صادف أن قدم لها في البدايات بينهما بموشح(بعد الحبيب) من كلمات أحمد رامي قبل أن ينتقل لتلحين الكلمات السعودية كأغنية (ساحر أنت يا قمر) من كلمات سعد البواردي وأغنية (ليلة سهر) لمهندس الكلمة بدر بن عبدالمحسن:(حبيبي يا ليلة سهر وطلة قمر في ليلة حزين.. حبيبي يا نجمة سمر ونسمة سحر ولهفة حنين), قال حينها:(إنها كوكباً آخر يطل علينا من الجزيرة العربية)، قالت عنه:(استطاع ان يفهم طبقة صوتي كما هو الحال للملحن الكويتي عبدالرحمن البعيجان ، مفاجأة الدكتور إبراهيم ناجي بقصيدة(ساعة لقاء) من ألحان عبدالحميد إبراهيم (مغربي الجنسية)والذي قاد الفرقة المغربية لأداء موسيقى (أطلس) ، أيضا قدم لها الموسيقار المصري أحمد صدقي في مجموعة متواصلة (لوعة آه لقلبي) من كلمات أحمد رامي كما قدم لها(نار الشوق) للشاعر فاروق شوشة و(عذاب السنين) للشاعر أمين قطان,منذّ بداية السبعينات والاشراقة في صوتها تصّب في صالح الاغنية الشرقية.

بعد رحيل والدتها:

تعشق عبدالله الفيصل وبدر بن عبدالمحسن وتمنى النفس بالغناء لهما دائماً, هي تلك اللحضة الحزينة في فقدان أعزّ الناس ليرافق الحزن أحزاناً، أغنية (أمي) كلمات طلال طائفي وألحان جميل محمود كان لها الأثر العميق في نفس ابتسام لطفي والتي كانت أعز وأغلى صديقاتها والداعم الوحيد لها في مسيرتها الغنائية إلى حين وفاتها ، الفراق الذي كان كالقشة التي قصمت ظهر البعير، وساعدت على توقفها، إذ لا زالت مرارة الفقدان والآلام تعتصرها بعد رحيل أمها حيث ظلت على هذا المنوال تعاني من الألم والحزن تلتمس العذر غالباً للاطباء

ليعود لو بصيص من الضوء الهارب في عينها ، إنها لا ترا الناس الا بصوتها الجميل.!!.إنها لم تظهر في الفن كغيرها لمجرد نزوة طائشة عارضة، إنما هو الحب والصوت وإفشاء الحس المكنون ،مطلق الذيابي(سمير الوادي)قدم لها العديد من الالحان إذ قال حينها(1972م):(إنها تمتلك خامة صوت جيدة,وقد أثبتت وجودها في الوطن العربي).

أبو عماد:

الشاعرة أو الملحن(أبوعماد) او المطربة ابتسام لطفي هي فترة تزهو بها الاغنية السعودية ومثار جدل كصوت نسائي من اوائل الرواد العابرين عربياً, مشوار مليء بالشجّن والخوف والأمل أكثر من(150)أغنية مدونة في الاذاعات السعودية بينها الاناشيد الدينية والوطنية(إلى بيت الله العتيق) وكذلك نشيد (مكة) وكان اوبريتاً لمجموعة من الفنانين العرب (ابتسام لطفي والسورية سعاد محمد وعادل مأمون وعبادي الجوهر) أيضاً الأغنية الخاصة بايام رمضان (الله وخلقه)وخلال تلك المسيرة قدمت أكثر من عشرين أغنية بالقصيدة (الفصحى) منها (عبير) و(ساحر أنت يا قمر) وكذلك (ابتسامة الصباح) وأيضاً (ساعة لقاء) و(يا غائبين) و(أهواك) (أقصم فؤادي) (سؤالك سؤال) وأغنية (النجوى الهامسة) و(وداع) وأيضاً (على ضفاف الهوى) و(نداء) كما هو الطرب والتذوق للطرب بالموشحات التي صاغها لحناً محمد الموجي ورياض السنباطي منها (بعد الحبيب) أيضاً قصيدة (أنا لن أعيش) للشاعر أحمد رامي وألحان عمر كدرس في العام (1971م)، لم تترك شيئاً إلا وقدمته من الأغاني الفرحية في الأعياد كأغنية (عادت بك الأفراح) و(فرحة العيد) و(بدر السعادة)و (بسم الله)، كما قدمت الأغنية الاجتماعية والتي ابتعد عنها الفنانون في الوقت الحاضر كأغنية (الحداد).

أعتزال وإرغام بأواخر الثمانينات الميلادية والدها وذكريات امها(رحمها الله)كانا سبباً في الابتعاد القصري,تظهر في الاعلام(1998م)وتعود للغياب, إنه التاريخ المنسى ورحلة الغياب وجلّد الذات ،قال الاستاذ محمد زيدان(نحن شعب دفان),مازالت تعارك الحياة خلف جدران بيتها، مازال صواتها باقياً يذكرنا بطفولتها ومشهد الكتاتيب وإشراقة الشمس وسكون الليل في عَينِهَا ، هل تنتظر(ساعة اللقاء)او(الوداع) ، صوت من الحجاز جاب العالم العربي وعاد إليه للسكون,ابتسام المشهد في ساحة الغناء العربي(كالماء)نفتقدها حينما نعطش.