قبل أسبوعين تقريبًا، اشتهرت السيدة الأسكتلندية سوزان بويل بعد أن قامت بأداء غنائي مميز أمام طاقم من الحكام البريطانيين ضمن فعاليات برنامج ترفيهي مهتم بإعطاء الفرص لأصحاب المواهب على اختلافها. وقصة السيدة بويل مختلفة ومميزة في آن واحد؛ فهي سيدة خمسينية لم تجد فرصة عادلة لكي تُظهر موهبتها الفنية بسبب انشغالها طوال حياتها السابقة بالعناية بوالدتها المريضة. ويبدو أن ذلك كان همّها الرئيسي، فلم تنتبه لاحتياجاتها الخاصة، وذكرت أنها لم تكن على علاقة برجل قط في حياتها، وهذا بالنسبة لسيدة غريبة بهذا العمر شيء مثير للدهشة.

لم يكن هذا هو ما يميز بويل، وليس هذا هو الذي جعلها تدهش الكثير من الناس حول العالم، بل لأنها تجرأت على الظهور في برنامج غالبًا مايقصده الشباب في أعمار صغيرة، وأتت على طبيعتها بثياب قروية ولهجة ريفية ومظهر غير متأنق. وقد وصفها الكثيرون بأنها لاتتمتع بأي ميزة جمالية؛ فهي لاتعتني بنفسها ولايظهر عليها أنوثة كما هو متوقع منها. وهذه الصورة غير نمطية لفنانة أو لصاحبة موهبة فنية. وربما هذا ماجعل الجمهور يقابلها في البداية بازدراء وسخرية حالما ذكرت أن حلمها أن تصبح مشهورة بسبب موهبتها الغنائية.

وعلى أي حال، فهذه السخرية انقلبت عليهم حالما بدأت بغناء أغنية ليس من السهل اتقانها، فبهرت الحكام والجمهور والمشاهدين على السواء الذين لم يصدّقوا أن جمال الصوت هذا كله يخرج من هذه السيدة قبيحة المنظر.

هذه الصدمة كانت كفيلة أن تحفر لبويل مكانًا لافتًا، فهي الآن هوس عالمي لأنها أثبتت أن الحلم لاحدود له، وأنه لن يموت مادام الشخص لازال يتوق إليه. ونحن هنا لانتكلم عن موضوع الغناء بشكل خاص، ولكن الأمر هو أن تحلم بشىء يهمّك وتريد أن يتحقق لأنه بنظرك شئ مهم وضروري لكي تكتمل به سعادتك، فقد يكون هذا الحلم وظيفة معينة أو رياضة أو نشاط ثقافي أو نجاح بحثي وتميز علمي وغير ذلك من أمور الحياة. الحلم يمثل دافعًا قويًا للمرء لكي يحيا، ويعيد المحللون النفسيون الإنجازات المميزة للأشخاص إلى دوافع نفسية مرتبطة بحلم مستقبلي قد يكون واضح المعالم وفي بعض الحالات يكون غامضًا حتى على الشخص نفسه، ولكنه في كل الأحوال كامن في اللاوعي، ويمكن الاستدلال عليه من خلال بواعثه التي تجعل المرء يواجه صعوبات الحياة ويتغلب عليها.

وفي المقابل، يوجد من يتخلّى عن حلمه لأنه بلغ من العمر سنوات تجعله يتحرّج من البحث عن مفاتيح لغز هذا الحلم، أو أن حياته الاجتماعية تغيّرت فأصبح لايقدر على مطاردة هذا الحلم. فعلى سبيل المثال، يوجد بعض كبار السن من تتوق أنفسهم إلى إكمال دراستهم، ولكن يمنعهم عن هذا خجل غير منطقي من القيل والقال، فتدقّ مقولة "يوم شاب ودّوه الكتّاب" في رؤوسهم فتزعزع ثقتهم حتى يتخلوا عن طموحهم، ولايبقى أمامهم سوى تعليق آمالهم على أحفادهم وأبنائهم. وهناك من يحلم في الاشتراك في رياضة القفز العالي أو الغطس العميق في المحيط أو مجرد قيادة دراجة هارلي ديفدسون، ولكن حينما يتزوج سرعان ما يتخلى عن هذه الأفكار اعتقادًا منه أنها طفولية أو غير ناضجة في حين أنها من الهوايات الطبيعية والمقبولة.

الموضوع أكثر تعقيدًا من كونه مجرد قناعة شخصية وفلسفة غير واضحة للأمور، بل إن المجتمع المحافظ يستكثر بعض الأعمال على بعض الفئات رغم أنها مقبولة أخلاقيًا وثقافيًا، ولكنها غير متوقعة ولامعتادة إلا من أناس معينين. والاعتياد بحد ذاته يمثل قاعدة أخلاقية تسيّر حياة بعض الناس، وحينما تتغير هذه القاعدة يصبح هناك لوم وسخرية واستهزاء وغير ذلك من التصرفات العبثية التي يقوم بها في الغالب من عجز عن الحلم والحياة المثيرة.

السيدة بويل لم تفقد الأمل وتجرّأت على الحصول عليه رغم أنه لاتنطبق عليها أيّ من الشروط التقليدية لأصحاب المواهب والفن، ولكنها نجحت وأبهرت الكثيرين؛ وهنا يكمن سر تميز هذه السيدة الريفية البسيطة. ويكفيها أنها فخورة بذاتها حينما تمكّنت من تحقيق ماكانت تصبو إليه من خلال قدراتها الذاتية دون مساعدة أو واسطة من أحد.