..يسعنا أن نقرأ تاريخ مجتمع في حنجرة من حيث أننا نكتشف جماليات اللغة والشعور والزمن، فالغناء حالة تواجه بين زمن الإنسان وذاكرته الوجدانية متجاوزة فضاء المكان واللحظة المادية، والغناء هو تكثيف كبير لعناصر متشابكة بين اللغة والزمن، أي: اللغة في الشعر والزمن في الصوت، سواء كان صدوره من آلة أو من حنجرة، والموسيقى من الصوت البشري هي مؤثر الصوت الخارج من الجسد كله لا جهاز النطق.

..وما يتميَّز به صوت طلال هو انصهار أكثر من بيئة خاصة صحراء وريف جبل الطائف -ومكة المكرمة مكان ولادته- كذلك ساحل جدة، والتنوع البشري في حواضر الحجاز أكسب طلال فصيلاً متنوعاً من الأصوات اللغوية -اللهجية لتجمعات بشرية تمازجت ببعضها في منطقة الحجاز.

..وحري بهذا المزيج أن يكوِّن لطلال (حنجرة جامعة) أشبهت برج بابل بما تحمله تلك الحكاية التوراتية عن (تبلبل) ألسنة البشر فيما تتضاد حنجرة طلال بكونها جامعة لا مفرقة!.

..ولا تُعرَف قيمة الدلالة الصوتية في حنجرة ونطق طلال للكلام والأغاني إلا بمعرفة ما كانت تتوفر عليه المنطقة من لهجات البشر والشعر من لهجة حجازية (طائفية ومكاوية)، ويمنية (صنعانية ولحجية وحضرمية)، ونبطية (نجدية وحساوية وقصيمية وحائلية) - رغم اختلاف الأخيرتين في أصوات الضمائر- حيث توفرت بعض نصوص تلك اللهجات لتشكل أرشيف أغانيه فيما صارت مع طلال ذات لهجة غنائية - طلالية.

كانت هناك، في الزمن السابق لظهور صوت طلال، لهجة حجازية يعرف بها حسن جاوة ومحمد علي سندي وطارق عبد الحكيم، ولهجة يمنية يغنيها عمر باعشن وعبد الله محمد، ولهجة نجدية عند أبو سعود الحمادي وسالم بن حويل ومطلق الدخيل، ولكن بظهور طلال تشكلت لهجة طلالية استوعبت الكثير من تلك اللهجات وطبعتها بطابع أصوات حنجرته في كل ما غناه من نصوص شعر حجازي ويمني ونجدي.

..يصدر شريط: من يبشرني (فنون الجزيرة،رقم:67) جامعاً أغاني طلال مداح من قصائد نبطية للشاعر فالح، وهو لقب اختاره الأمير محمد بن عبد العزيز آل سعود (1910-1988)، وهذه الأغاني المسجلة من حفلات التلفزيون السعودي مرحلة الستينيات (1965-1970) شكَّلت مرحلة البدايات لطلال مداح ومسيرته الغنائية حين كان يمرِّر صوته عبر ألحانه، وألحان سواه أيضاً، على نصوص أغنيات من لهجات مختلفة حيث توفرت له من شعراء كثر في اللهجة الحجازية: خالد زارع ولطفي زيني وأحمد صادق والمنتظر (خالد بن تركي)، واللهجة اليمنية من يَسلِم بن علي ومحمد سعد عبد الله، واللهجة النجدية مع فالح وعبد الله الفيصل ثم دايم السيف (الأمير خالد الفيصل)، وسعود بن بندر.

..وفي كل لهجة تحمل ملامح بيئتها من نبرة أصواتها في المفردة ودرجات التعبير الحروفية كانت تملي على الملحن والمغني طابعاً خاصاً يمتد أثره على صياغة درجات الأنغام الموسيقية وتراكيب الموازين الإيقاعية، وتظهر حالات الإضافة والتعديل بما هي متداخلة مع حالات الابتكار والابتداع في المسافات الزمنية بين الصوت وصداه والمعنى وظلاله.

..يحتوي هذا الشريط الذي يجمع أغنيات مرحلة البدايات الطلالية على كل من الأغاني التالية: "كل ما قالوا نعم، من يبشرني، قولوا للغالي، يا حبيبي اسمك أمل، ليلة الجمعة، طاول الصبر".

..على مستوى النصوص المتباين فإنه يجمع ما بينها قالب القصيدة النبطية من شكل تناظري (عامودي) غير متشابهة - وإن تكرَّر الوزن - فإن القوافي مختلفة، ويستثنى من بين تلك القصائد "قولوا للغالي" لكونها تعد من أبنية أغاني البدو من فن القَلطَة حيث نعدها فرع على أوزان القصائد الأخرى.

ولنا عنه حكاية..