تعيين صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء أحد أهم القرارات الاستثنائية التي اتخذها الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - في الفترة الأخيرة، ومنذ أن صدر الأمر الملكي بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز - شفاه الله - ولياً للعهد والناس يتطلعون الى من سيكون النائب الثاني.

قصة منصب النائب الثاني بدأت مع الراحل الأول لتأسيس المملكة العربية السعودية عندما عين الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن - رحمه الله - عام 1351ه الأمير سعود بن عبدالعزيز ولياً للعهد ومن بعده الأمير فيصل، فكانت هذه هي البداية الاولى لمنصب النائب الثاني لولي العهد رغم أن أول مجلس للوزراء عقد بعد حوالي اثنين وعشرين عاماً من اختيارهما للعهد وولايته، فكانت البداية كنائب لولي العهد، اما بعد انشاء مجلس الوزراء فأصبح للمنصب علاقة بالمجلس.

ونظراً لتطور أمور الدولة واستقرارها سياسياً وتأسيس العديد من الوزارات فقد أنشأ الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - أول مجلس للوزراء في شهر صفر من عام 1373ه ولكن بعد شهر واحد من انشاء المجلس توفي الملك عبدالعزيز - رحمه الله - فتولى الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - الحكم، وبعد حوالي خمسة أشهر تقريباً (رجب 1373ه) تم تعديل نظام مجلس الوزراء وكان الملك هو رئيس المجلس وأشار نظام المجلس الى (نواب رئيس مجلس الوزراء) واستمر عمل المجلس أربع سنوات ونصف تقريباً وعدل نظامه للمرة الثانية في 22/10/1377ه وكان التغيير الجوهري لهذا النظام هو ربط رئاسة المجلس بولي العهد فأصبح ولي العهد هو رئيس مجلس الوزراء، وبعد تولي الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - الحكم في عام 1384ه عدل مادتين من نظام مجلس الوزراء لعام 1377ه أهمها ربط رئاسة مجلس الوزراء بالملك فأصبح الملك ثانية هو رئيس مجلس الوزراء، وتم استحداث منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء واختيار الأمير خالد بن عبدالعزيز - رحمه الله - نائباً لرئيس مجلس الوزراء واختير الأمير فهد - رحمه الله - النائب الثاني لرئيس المجلس، وبمجرد التعيين كان النائبان الأول والثاني أعضاء في مجلس الوزراء واختيار النائب الثاني يعني عرفاً اختياره ولياً للعهد اذ أصبح ولي العهد ملكاً وهذا ما حدث بالضبط اذ بمجرد استشهاد الملك فيصل بن عبدالعزيز - رحمه الله - عين ولي العهد الأمير خالد ملكاً والنائب الثاني الأمير فهد بن عبدالعزيز - رحمه الله - ولياً للعهد.. وقد اختار الملك خالد - رحمه الله - صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء.

من الناحية الدستورية فإن حق اختيار النائب الثاني حق شخصي للملك مثله في ذلك مثل منصب ولي العهد، ولهذا فإن للملك وحده أن يصدر أمره - باعتباره رئيس الدولة، وليس باعتباره رئيساً لمجلس الوزراء - لاختيار ولي العهد، واختيار النائب الثاني.

منصب النائب الثاني منصب مهم وجوهري في نظام الحكم في السعودية إذ انه - من الناحية الدستورية - يمنع حدوث فراغ دستوري في الدولة، ونقصد بالفراغ الدستوري هو شعور منصب من يقوم بالحكم في المملكة، وفي الوضع الراهن قبل اختيار صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود نائباً ثانياً لمجلس الوزراء كان في الإمكان حدوث فراغ دستوري وذلك لأن ولي العهد خارج المملكة العربية السعودية لعارض صحي ألم به وبالتالي فلا يستطيع الملك الخروج خارج المملكة دون أن يحدد نائباً له لإدارة شؤون الحكم في البلاد. صحيح ان الملك قد يختار أحد أفراد الأسرة المالكة ليكون نائباً له فترة غيابه هو وولي العهد خارج المملكة، ولكن الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - بحنكته السياسية فضل ان يكون الحل دستورياً دائماً، لا حلاً مؤقتاً، ولهذا تم اختيار الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود لمنصب النائب الثاني.

أمر جدير بالتمعن ألا وهو خلو النظام الأساسي للحكم الصادر عام 1412ه، من وجود أي إشارة صريحة لمنصب «النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء»، رغم ان المادة (57) من النظام أشارت الى أن الملك يعين نواب رئيس مجلس الوزراء.. وكلمة «نواب» تعني إمكانية وجود أكثر من نائب لرئيس مجلس الوزراء، ولهذا فإن صدور الأمر الملكي بتعيين الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود نائباً ثانياً لمجلس الوزراء وضح صراحة ما أغفله النظام الأساسي للحكم، وبين بوضوح طريقة تسلسل تولي الملك في المستقبل.. صحيح ان للملك وحده سلطة اختيار ولي العهد والنائب الثاني.

ومع ذلك فإن العرف في توارث الملك في المملكة العربية السعودية وكذلك اختيار شخصيات قوية لها تجاربها السياسية والإدارية الطويلة في الأعمال الإدارية والسياسية في المملكة مؤشرات تؤكد على وضوح صورة الحكم في المملكة العربية السعودية في المرحلة المستقبلية.

أخيراً أشير إلى أن اختيار صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز - حفظه الله - نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء قرار جريء، وقوي، يدل على قوة الملك وقدرته على اتخاذ القرارات الصعبة والهامة في لحظات تاريخية استثنائية.

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.

٭ أستاذ القانون الإداري المساعد

جامعة الملك سعود