مؤخر الصداق هو جزء من المهر الذي يقدم بعضه أثناء عقد النكاح، ويؤخر بعضه الآخر في حال الوفاة أو الطلاق بين الزوجين، قال تعالى: «واتوا النساء صدقاتهن نحلة، ويعد هذا التجزيء للمهر في نظر البعض ضمانة للحياة الزوجية، بينما ينظر الآخرون على أنه تجاوز ومبالغة في النظرة المستقبلية لهذه الحياة، فماهي الدوافع لدى السيدات المقبلات على الزواج من كتابة مؤخر الصداق في عقودهن؟، وما الموانع التي من الممكن أن تمنع كتابة ذلك الشرط ضمن شروط العقد؟ ..

« الرياض» التقت سيدات كتبن المؤخر ضمن شروط النكاح وآخريات كان المؤخر ثمناً لهن في الحصول على حريتهن!! ، وفئة ثالثة منهن وقف الأهل عائقاً من كتابة المؤخر ضمن شروط النكاح !! ..

الخوف من الطلاق

المعلمة أم فهد الحازمي متزوجة ولديها ثلاثة أبناء، كان مؤخر الصداق أولى شروطها بعقد النكاح بمبلغ 50 ألف ريال، فهي ترى أهميته ليس لضمان الحياة الزوجية بل مدعاة لتفكير الرجل مراراً قبل التساهل أو التلفظ بالطلاق، مشيرة إلى انها وزوجها يعيشان حياة كريمة قد لاتخلو من المشاكل إلا أنها مستقرة بفضل الله ، وقالت:"طوال فترة حياتنا لم يذكرلي زوجي سبب شرطي للمؤخر أبداً بل ولم يناقشني به مطلقاً فهو باعتقاده أنها حرية شخصية لي" .

مصدر رزق

بينما تؤكد المطلقة ابتسام عبدالله (27 سنة) على أهمية المؤخر كضمان ليس للحياة الزوجية وحدها، بل لحياة السيدة بعد انفصالها " لاقدر الله " لعمل مشروع لها تستفيد منه بعد طلاقها، من خلال كسب منفعة مالية بعملها في أي مشروع ممكن أن تقوم به، حيث تلبي احتياجاتها مع أطفالها من مردوده المالي ، مشيرة إلى أنها نادمة على عدم اشتراطها للمؤخر عند زواجها لأنها لم تكن تعلم أن مصيرها الطلاق من دون أي فائدة تعود عليها بعد الطلاق تضمن لها حياة طيبة ومصدر رزق ..

أهلي رفضوا

وهنا تبين لنا ربة المنزل أم خالد اليامي من سكان الخبر، متزوجة ولديها خمسة أطفال ، أن شرط مؤخر الصداق كان سبباً في وضعها بموقف محرج منذ الوهلة الأولى من زواجها، فهي عند كتابة شروط النكاح كانت ترغب في كتابة مؤخر لا يقل عن ثمانين ألف ريال، إلا أن عمها تدخل ومنع كتابة المؤخر بالعقد، وقالت: كان زواجي قبل ثمان سنوات ولا زلت أتذكر الموقف المحرج الذي وضعت فيه، وحصلت مشكلة لي بسبب طلبي مؤخر صداق كشرط بالعقد، إلا أن عمي رفض واعتبره شرطاً ينقص من قيمة العائلة من الناحية القبلية ومن ناحية العادات والتقاليد، وترافعت الأصوات في ذلك الوقت بين مؤيدين ومعارضين لكتابة المؤخر ضمن الشروط، فبعد أن عقد زوجي علي، سألني زوجي إن كنت أريد أن أكتب عليه مؤخراً بالمبلغ الذي أريده لأنه شعر وقتها بالمشكلة وترك لي مطلق الحرية ، إلا أني رفضت بسبب إحراجي حينها منه بأن يكتب على نفسه مؤخر صداق خاصةً أنه هو من طلب مني ذلك.

الفتاه سارا حمد( 22 سنة) تحمل شهادة الثانوية العامة، متزوجة منذ ستة أشهر، لم تكتب المؤخر من ضمن شروط زواجها كمواصلة الدراسة أو السكن المستقل، وذلك لعدم موافقة ولي أمرها لكتابة المؤخر في عقد نكاحها ، فوالدها عارض رغبتها، حيث رأى والدها أنه من العيب أن تشترط مؤخر صداق على زوجها !!، وأنه غير عاجز عن مصروفها في حال انفصالها عن زوجها، فبرأي والدها أن الرجل لا يشترط عليه شرط كالمؤخر !! فرضخت سارا للأمر الواقع ولم تكتب مؤخر صداق على زوجها، وقالت معلقة على ذلك: كنت بصراحة أتمنى أن أكتب المؤخر ضمن شروط العقد، وأتمنى أن يكون لمأذون الأنكحة دور في الإيضاح لأولياء الأمور عند كتابة العقد لمفهوم المؤخر، فالكثير من الآباء يجهلون المؤخر ويعتبروه عيباً ودخيلاً على مجتمعنا.

ثمن الحرية

وكان المؤخر سبباً في حرية السيدة المطلقة ( أسماء خ ) 32سنة تعمل بمستوصف الدمام الأهلي ، فهي شرطت مؤخر صداق بمبلغ 60 ألف ريال ، إلا أنها بعد طلاقها لم تحصل على المبلغ ولا جزءاً منه ، لأنه كما كان شرطاً من الزوجه في بداية الزواج على زوجها أصبح شرطاً من الزوج على زوجته في نهاية الحياة الزوجية لتطليقها !! تخبرنا في حسرة شديدة قائلة: عندما ساءت الحياة مع زوجي طلبت الطلاق وحاولت كثيراً أن لا أتنازل عن المؤخر، إلا أن المشاكل التي واجهتها والضغوطات التي صادفتني أثناء طلب الطلاق سواء من الأقارب أو القضاة بالمحاكم جميعها جعلتني أرضخ وأتنازل عن مؤخري لنيل حريتي فقط.

وتوافقها المبدأ نفسه أم محمد القصير متزوجة منذ 15 سنة ولم تكتب مؤخر صداق ، فهي ترى أن المؤخر ليس في صالح السيدة دائماً ، موضحة أنه يكون خيراً لها في حالة واحدة عندما يكون الزوج هو من لايريد الحياة الزوجية مع زوجته وهو الذي يريد تطليقها ، بينما ولوحصل عكس ذلك ، بأن الزوجة هي من تطلب الطلاق أو ترك الزوج فهنا يكون المؤخر في غير منفعة لها بل ويكون ضريبة طلاقها، مستشهدة بماحصل مع اختها المطلقة التي لم تتنازل عن المؤخر لتطليقها فحسب بل وإلى رد المهر لزوجها السابق كاملاً !!..

اختبار لمشاعر الزوج

ولمؤخر الصداق وجه آخر عند بعض الفتيات المقبلات على الزواج، فالفتاة ندى الزعبي (22 سنة) طالبة بكلية خدمة المجتمع ، ترى أن المؤخر سند لها ومعياراً لمدى تمسك الخاطب بخطيبته، قائلة: سوف أكتب مؤخر صداق بإذن الله لايقل عن 500 ألف ريال لأرى مدى تمسك الخاطب بي، فإن رفض سيكون علامة لي بأنه بخيل ولم يقدرني، وبالمقابل لا يصلح أن يرتبط بي ؛ أما لو وافق على شرط المؤخر فهو رجل يريدني ومتمسك بي ! ..

وتشاطرها الرأي الفتاة نورة سعد (19سنة)، طالبة جامعية على أهمية كتابة المؤخر لأنه يزيد من قيمة الفتاة ويرفع شأنها بين أفراد أسرتها ، ويشعر الزوجة بالسعادة الداخلية وبأنها لم تؤخذ بالساهل ولن تترك بالساهل دون أن يحس الرجل بصعوبة تركها كما شعر بصعوبة الحصول عليها !!

المؤخرليس ضماناًَ للمرأة

مأذون الأنكحة الشرعية في الدمام الشيخ محمد بن سليمان المهوس يبين ل " الرياض " بدايةً مفهوم مؤخر الصداق بأنه المؤخر الذي تستحقه الزوجة على زوجها بالطلاق أو الوفاة ، وهو يقدم على توزيع التركة ، وإن تسامحت فيه الزوجه سقط عن الزوج ، وعن حمكة بالإسلام يؤكد أن مؤخر الصداق جزء من الصداق يجب دفعه عند حلول أجله ؛ أقرب الأجلين الموت لأحد الزوجين أوالطلاق فهو دين مؤجل إن أردت براءة الذمة عجلت قضاءه فهو حق للمرأة ..

ويشير الشيخ المهوس إلى أن الناس تتفاوت في مقدار المؤخر ولكن غالباً مايكون مابين العشرة الآف إلى الخمسين ألف ريال ، وقد يبالغ بعضهم به ولكن لايقره العاقد بل يناصح ولي الأمر ويوجهه .

وحول أبرز أسباب انتشار مؤخر الصداق في الفترة الأخيرة يوضح الشيخ المهوس أنه ضمان بقاء المرأة بعصمة زوجها ، وعدم الاطمئنان الكافي للزوج ، ولكثرة الطلاق ، والأغلب هو لضمان مستقبل المرأة إما بالبقاء كزوجة أو بعد الطلاق ، مؤكداً على أن جميع هذه الأمور لاتضمن حق المرأة عند بعض الرجال ، فربما أهانها وضيق عليها لتطلب الطلاق، فيسلم من دفع المؤخر؛ أو العكس تكون المضايقة من الزوجة لتغنم بالمؤخر بعد الطلاق، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:" أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة "، مشيراً إلى أن انتشار كتابة المؤخر غالباً مايكون لدى أهل المدن والحضر ، أكثر من أهل البادية ..

سلاح ذو حدين

الأخصائي الإجتماعي الأستاذ نايف السبيعي مدير مركز التوجيه والإرشاد بجامعة الملك فيصل بالدمام ، يؤكد على أن مؤخر الصداق ليس ضماناً لاستمرار الحياة الزوجية ، لكونه سلاحاً ذا حدين ، فالرجل المقتدر بالمجتمع ربما يتعامل مع المؤخر دون تأثر فيعامل الزوجة كسلعة ربما يربح أو يخسر لكنه بالنهاية لايتضرر، أما بالنسبة للزوج المتوسط الحال والميسور قد لا يستطيع دفع مؤخر الصداق فيترك الأمر معلقاً حتى يتسنى له دفع المؤخر بطريقة أو بأخرى ؛أوعن طريق تنازل زوجته عنه، مقابل حريتها والخلاص منه .

ويرجع الأخصائي السبيعي الهدف الرئيسي من تزايد طلب مؤخر الصداق بالمجتمع إلى حب الرياء والمظاهر والمباهاة في مجتمعنا، قائلاً: نحن مجتمع يشغله حب التقليد للآخرين ، سواء كان سلبياً أو إيجابياً فغالباً الزوجة تبرر للناس ومن حولها قيمتها وغلاءها من الصداق باعتقادها وباعتقاد أهلها ايضاً أن المؤخر هو المقياس الرئيسي لمكانتها فتحول نفسها بذات الوقت لسلعة للأسف !! فتكون احد الأسباب لنشوب خلاف بين الزوجين سواء قبل الزواج أو بعده ؛ وقد يكون الهدف من مؤخر الصداق حفاظاً للمرأة لحقها وتيسير لأمورها بعد الطلاق، مشيراً إلى أن المادة المتمثلة في مؤخر الصداق لاتحمي المرأة بعد طلاقها بل السيدة المطلقة تحتاج لحقوقها الشرعية التي ضمنها لها الدين الإسلامي مابعد الطلاق وليس لمؤخر الصداق، وتتمثل أبرز حقوقها في تعهد الزوج وإلزامه بالنفقة عليها وعلى أبنائها وفي حق الحضانة وغيرها ، ذلك هو الأكثر حماية للسيدة بعد الطلاق، ويكون ذلك من خلال تدوين بنود مابعد الطلاق ضمن صك الزواج لمتابعته عند وقوع الطلاق كما تم تدوين شروط قبل النكاح ..