السعوديون مهووسون بالصحراء وأجوائها، وشغوفون بارتياد البراري وأكنافها، حيث رمال الغضا، وفياض السدر، وأودية الطلح، ورياض الخزامى، بل لا نبالغ إن قلنا بأنهم من أكثر الشعوب اقتناء لسيارات الدفع الرباعي، وسياراتهم وبيوتهم ممتلئة بلوازم الرحلات والكشتات.

هوس بدأ يتصاعد ويتزايد في العقد الأخير بشكل لفت أنظار المراقبين. ويأتي هذا الميول في ظل خصائص طبيعية ونوعية متميزة في بيئتنا الصحراوية، حيث تشح الأمطار وتنعدم الأنهار وتندر الأشجار وتسود القفار، كل هذا يدفعنا قسراً إلى الاهتمام المتزايد ببيئتنا الصحراوية ومتنزهاتنا البرية، وبما تحتضنه من نطاقات خضراء محدودة جداً ذات مناظر خلابة نجدها هنا أو هناك تمثل لنا متنزهات طبيعية ذات موارد فقيرة.

وحول هذا الجانب يقول الدكتور عبدالله المسند عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم رئيس المجموعة التخصصية لدراسة المناخ والبيئة والمياه في الجمعية الجغرافية السعودية المشرف على جوال ال «الرياض» قناة كون: بأن الحفاظ على مقومات البيئة الطبيعية بعناصرها المختلفة يمثل مطلباً دينياً ووطنياً ملحاً تجهد لتحقيقه كافة الدول المتحضرة عبر اعتمادها على نشر الوعي البيئي من جهة وتسخيرها لمعطيات العلم والعمل من جهة أخرى، كي يتسنى لها العيش في كنف بيئة متوازنة تحمل السعادة لسكانها حاضراً ومستقبلاً. وأضاف: من المسلّم به أن من يقوم بالاعتداء البيئي أو فوضى السياحة البرية ينجم عنه فساد في مكونات البيئة الطبيعية وينعكس بالضرورة سلباً على قاطني تلك البيئة التي أصبحت مصابة بخلل في التوازن ناجم عن نشاط بشري غير مسؤول (لفئة) عابثة لا يستطيع أفرادها أن ينظروا لأبعد من أنوفهم وذلك لإشباع أنانيتهم ونزواتهم غير مكترثين بأبعاد نتائج العبث البيئي الشرعية والطبيعية والحضرية و «من نظر في العواقب سلم من النوائب»، مبينا ان هناك جملة من سلوكيات الرحلات البرية الخاطئة لدى هؤلاء «الفوضويين» مثل ترك النفايات مبعثرة وقطع الأشجار المعمرة والتفحيط فوق أديم الرياض والفياض المزهرة، وهؤلاء العابثون لا يعلم أكثرهم أنهم (يبصقون في الإناء الذي يشربون منه) ومصيرهم هو العودة للمكان نفسه مرة ثانية، وفي الحديث (من آذى المسلمين في طُرُقِهم، وجبتْ عليه لعنتُهم) فما بالك في مجالسهم، والصيادون من «الفوضويين» يعمدون إلى إطلاق النار على كل ما يدب على الأرض أو يطير في السماء حتى الخفاش لم يسلم منهم و (مَا مِنْ إنسان يقتل عصفورًا فما فوقها بغير حقّها، إلا سأله الله عز وجل عنها يوم القيامة، قيل: يا رسول الله، وما حقُّها؟ قال: «حقُّها أن يذبحها فيأكل، ولا يقطع رأسه فيرمي به).. مشيرا إلى أن الحديث عن العبث البيئي أو فوضى السياحة البرية في ربوع بلادنا، فإننا نتحدث عن مشكلة الفوضى العارمة التي يحدثها فئة ليست بالقليلة من مرتادي البر وخاصة الشباب منهم، حينما يقود الواحد منهم سيارته أو دراجته ليعبث بكل مقدرات البيئة الطبيعية للمنتزه دون ضمير يؤنبه أو حساب يردعه، إذ لا يكاد يخلو متر مربع واحد في متنزهاتنا من (جادة) اختطتها عجلات السيارات والدراجات السارحة بعشوائية صباح مساء في حركات ديناميكية زئبقية لا تتوقف، حتى إنك لاتكاد ترى كثرة (الجواد) المطبوعة على الأرض والمتداخلة فيما بينها وكأنها شبكة صياد، أو بيت عنكبوت، مما نتج عنه تفكيك جزيئات التربة السطحية، وهلاك الأعشاب البرية وانحصارها في زوايا ضيقة، واختفاء الكثير من الشجيرات الصحراوية، وهذه إشارة واضحة ونموذج سلبي لمظاهر الفوضى السياحية البرية، التي بدورها تساعد على تسريع عملية التصحر وتدهور البيئة الطبيعية.. (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وعن أسباب مشكلة تدهور مقومات الجمال الطبيعي للمتنزهات البرية وتدهور الغطاء النباتي، قال د. السند: بلا تردد يرجع ذلك إلى السيارات والدراجات الجوالة، والرعي الجائر وعملية الاحتطاب ولهذا غدت بعض متنزهاتنا مجرد طرق وجواد وأتربة مفككة وأشجار مكسرة ونفايات مبعثرة وغبار متطاير تعكس لنا عن علاقة متوترة بين الإنسان وبيئته التي تحتضر وتئن تحت وطأة «فوضويين» يزعمون أن الله سخرها حصرياً لهم، أما البقية والأجيال القادمة فلهم السبخة،

فإن رواد البر «الفوضويين» الذين لا يتأدبون بأدب الرحلات، ولا يكترثون بحماية البيئة الطبيعية وفقاً لأوامر الشريعة الإسلامية هؤلاء يمارسون هوايتهم في العبث - وللأسف - على حساب الآخرين وعلى حساب بكارة الطبيعة التي خلقها الله عز وجل باتزان (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ)، وهم ينسون أو يتناسون أن الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار كما جاء في الحديث الشريف، بل وتمارس هذه الفئة تدمير عناصر البيئة وهم أول الخاسرين لمنتزهاتهم عندما تتحول في المستقبل القريب إلى مجرد كثبان رملية متحركة تعصف بها الرياح، وتخلو من أبجديات الجمال الطبيعي التي وهبها الله تعالى، مشيراً الى انه في المقابل هناك فئة قليلة وهم الذين يصح أن نطلق عليهم «البيئيين» حيث يمارسون السياحة البرية دون أن يخلّفوا أثراً سيئاً على البيئة وهم بذلك يستمتعون أكثر من «الفوضويين» بل و يتجاوز بعضهم ذلك إلى محاولة إصلاح ما أفسده «الفوضويون» ولكن..

متى يبلغ البنيان يوماً تمامه

إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

ولو ألف بان خلفهم هادم كفى

فكيف ببان خلفه ألف هادم؟!

والخشية إن بقي الأمر بهذه الفوضى غير المسؤولة لكل من (هب ودب) يعبث كيف شاء ومتى شاء وأينما شاء في متنزهاتنا البرية دون تدخل الجهات ذات العلاقة والغيورين على وطنهم أن تصبح منتزهاتنا أسماءً بلا واقع وأعلاماً بلا حقيقة وأثراً بعد عين وكثباناً زاحفة متمردة مُلوثة ببقايا «الفوضويين»، وتأكيداً لما سبق يكفيك المقارنة بين فياضنا ورياضنا وأوديتنا ورمالنا البرية الذهبية قبل 30 سنة وبين الوقت الحاضر، سنجد أن البون شاسع والفرق واضح فاضح بين البيئتين. وبيئتنا الصحراوية من أشد البيئات الجغرافية حساسية وتأثراً بالنشاط البشري وإن أي إجهاد لها سوف يؤدي إلى تدهور سريع وملموس، ربما خلال بضع سنين، هذا إذا كان النشاط منظماً فما بالك بنشاط فوضوي كالذي نشاهده ونلمسه. وعن الإجراءات والحلول المقترحة دعا د. المسند إلى دعم الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها بما يكفل قيامها بدور أكبر وأوسع وزيادة عدد ومساحة المحميات الطبيعية من فياض ورياض وأودية من قبل وزارة الزراعة وإنشاء «الشرطة الخضراء» العلنية والسرية لمراقبة سلوكيات المتنزهين والصيادين في المواقع السياحية البرية المشهورة وسن وتفعيل القوانين والتشريعات الرادعة عن عبث العابثين، وقال الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: « والشرع أتاح لولي الأمر فرض بعض العقوبات التعزيرية التي من الممكن اللجوء إليها في عصرنا الحالي لمن يسيؤون إلى البيئة»، كذلك تنمية الوعي بحقوق البيئة عقلاً وشرعاً وتبصير النشء بحقيقة الموقف الإسلامي الأصيل من البيئة والحفاظ عليها (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) وتأسيس جمعية أصدقاء البيئة في كل مدينة ومحافظة وتكثيف الحملات الإعلامية بشأن المحافظة على البيئة. وإعداد دراسة جغرافية بيئية عاجلة حيال المناطق السياحية الصحراوية المتدهورة وتقييم حالتها ودعوة البنوك لدعم مشاريع الأعمال الخضراء وحماية البيئة وإعادة تأهيلها ومشاريع التشجير وغيرها، ووضع أولويات البيئة ومقوماتها ضمن استراتيجيات السياحة الصحراوية.