«ليتني سمعت النصيحة» هذا ما قاله (ح. العمران) بعد ما شاهد فلذة كبده تتلوى من الألم بسبب الأعراض الناتجة من نوبات السيكلسل التي تزوره غير مرحبا بها كل شهر او شهرين.

ويذكر انه تلقى العديد من النصائح التي حاولت ان تثنيه عن الاقتران بشابة (تحمل مرض السيكلسل) كونه أيضا (يحمل نفس المرض) لما يترتب عليها من عواقب يتحملها أبنائه في المستقبل إلا ان إصراره وحكمه بعاطفته قبل عقله جعلت من ابنه ذي الأحد عشر شهرا ضحية لعناده ليشاهده يتألم ويتلوى من دون ان يستطع تحريك ساكن للتخفيف عنه. ويضيف العمران «اعلم ان الندم لا يفيد لذلك انصح واشدد جميع المقدمين على الزواج بعدم الوقع فيما وقعت به ووقع به كثيرون قبلي، وذلك بالتزام فحوصات ما قبل الزواج، فما أصعب ان ترى ابنك وهو يتألم او لا يستطيع تحريك طرف من أطرافة او لا يستطيع ان يضغط على احدى رجليه ليمشي بطريقة المتحامل على نفسه».

تلازم المصابين وحاملي المرض:

ويعد مرض فقر الدم المنجلي من الأمراض الوراثية وينتشر في مختلف شرائح المجتمع وتعد نسبة الإصابة به في محافظة القطيف من أعلى النسب في المملكة والعالم وينتقل المرض بوراثته من الوالدين فقط، وينتج بسبب خلل في تركيب خضاب الدم (الهيموجلوبين) المسئول عن حمل الأوكسجين لجميع أعضاء الجسم، فتتحول كريات الدم الحمراء ذات القرص الدائري المرن إلى شكل المنجل عند فقدها الأوكسجين، وتصبح الخلايا هشة قابلة للتكسر مما ينتج عنه فقر في الدم لتصبح كريات الدم الحمراء قابلة للالتصاق بعضها ببعض وتسد مجرى الدم وخاصة في الشرايين الدموية الدقيقة فتحرم أعضاء الجسم من الأوكسجين وينتج عن ذلك آلام متكررة تختلف شدتها من وقت لآخر. لذلك يعد المصاب بهذا المرض كمن حلت عليه لعنة تلازمه طوال حياته وقد تنتقل بشكل وراثي لكامل الأبناء في حال كان الزوجين مصابين، بينما ينجو بعض الأبناء من الإصابة في حال كان احد الزوجين سليماً.

وتلعب قلة الأكسجين في الجسم عن النسبة الطبيعة بسبب الإجهاد او التواجد في أماكن مغلقة كعامل مهم لحدوث نوبات الألم للمصابين بالمرض إضافة لقلة السوائل في الجسم او عند التعرض للبرد او الحر الشديد وعند ارتفاع درجة حرارة الجسم نتيجة الالتهابات.

لا يوجد مستشفى متخصص

طالبت أخصائية الدعم المعنوي بوحدة الدعم المعنوي الاجتماعي التابع لإدارة الرعاية الصحية الأولية بقطاع القطيف هند ابو السعود توفير مستشفى متخصص لاستقبال حالات أمراض الدم الوراثية فقط وذلك لتوفير البيئة الملائمة للمصابين بمثل هذه الأمراض.

وتضيف، تفتقر القطيف للأسف للمستشفى الخاص باستقبال المرضى المصابين بأمراض الدم الوراثية كالسيكلسل وغيره، حيث يرقد بجوار مريض السيكلسل في مستشفيات المركزية كالقطيف والدمام مصابين بأمراض أخرى قد تشتت تركيز الطاقم الطبي إضافة لعدم استيعاب المستشفيات المركزية للكم الهائل من الحالات فمركزي القطيف على سبيل المثال وفي كثير من الاحيان يعتذر عن استقبال عدد من الحالات بسبب امتلاء الاجنحة فيه مما يجعله يحول المرضى لمستشفيات مجاورة.

وتؤكد (ن. الهاشم) في العقد الثالث من عمرها ومصابة بالمرض انها تعاني كثيرا عند التوجه لطوارئ مستشفى القطيف المركزي بسبب الازدحام الكبير في القسم لدرجة انه في كثير من الأحيان تنتظر لمدة تتجاوز الساعة وتتحامل على نفسها وسط آلامها الشديدة في انتظار توفر سرير لتلقي الإسعافات. وتضيف: «في كثير من الأحيان يتم إخبارنا ان المستشفى لا يوجد به سرير شاغر حتى يتم تنويمنا وهذا ما يستدعي إعطاءنا بعض المهدئات والإبر

المسكنة التي للأسف يكون مفعولها لوقت قصير لا يتجاوز الاثنتي عشرة ساعة لنعود مرة أخرى لقسم الطوارئ لتستمر المعاناة مره أخرى». وتطالب بسرعة افتتاح القسم الخاص باستقبال مرضى الأنيميا المنجلية (فرع السيدات) وذلك انه سيساعد بشكل كبير في التخفيف على قسم الطوارئ.

وتذكر الهاشم ان والديها وكلاهما حامل للمرض مما أدى لإصابة النسبة الأكبر من الأبناء وتوضح انهم اكتشفوا إصابتها عندما كنت في السنة الخامسة من عمرها اثر نوبة الم شديدة استدعت إدخالها المستشفى وإجراء التحاليل التي أوضحت إصابتها بالمرض.

الخطورة في قلة الوعي

تكمن الخطورة في قلة الوعي لدى كثير من أفراد المجتمع غير الملتزمين بنتائج الفحص ما قبل الزواج مما يترتب عليه استمرار إنجاب أطفال مصابين بهذا المرض.

وتذكر أخصائية الصحة العامة منتهى اليوسف ان الشاب المصاب عندما يتزوج من مصابة فإنهم حكموا بذلك على جميع أبنائهم بالإصابة بهذا المرض المأساوي. لذلك ينصح بالتزام نتيجة الفحوصات وذلك في محاولة جادة للقضاء على هذا المرض عند الأجيال القادمة خصوصا مع ما تشهده المملكة والعالم من تطور وتقدم يحتاج لوقفة جادة من قبل المجتمع لتوعية وتثقيف الشباب المقبلين على الزواج بتحكيم عقولهم قبل قلوبهم وذلك حتى لا يندموا في المستقبل عندما يرون فلذات أكبادهم وهي تتألم دون وجود دواء شافي من هذا المرض.

وتوضح ابو السعود الفرق بين (حامل مرض السيكلسل) و(المصاب به) ان الأول لا يتعرض لنوبات او أزمات صحية بسببه ولكن ضرره قد يصيب أبناءه في حال زواجه من فتاه حاملة المرض او مصابة به لذلك ظهرت في الآونة الأخيرة حملات التوعية من أضرار الزيجات بدون فحص ما قبله.

وتذكر «لو تزوج شاب سليم لا يحمل المرض من شابة حاملة للمرض تكون نسبة حمل الأبناء للمرض 50% ولكن لا خوف عليهم من نوبات الالم، بينما لو تزوج شاب حامل المرض من فتاه مصابة سيكون احتمال إصابة الأبناء 50% و50% حمل للمرض، اما الاحتمالات الواردة لو تزوج الشاب الحامل للمرض من فتاة تحمل المرض أيضا فان الطفل قد يصاب بالمرض بنسبة 50% او يكون حاملا للمرض بنسبة 25% او سليما بنسبة 25% اما بالنسبة للمصاب الذي يتزوج من مصابة فان الأبناء يكونوا مصابين بالمرض بنسبة 100% ».

وتطالب والدة (ن، الهاشم) بالحد من الزيجات التي يتضح من فحوصاتها عدم الملاءمة وعدم الاكتفاء بإصدار شهادة توضح ذلك منعا لتكرار الأخطاء التي وقعت بها أجيال قديمة كان ينقصها الوعي وعدم الإلمام بهذا المرض.

وتضيف «نحن راضون بما كتبه الله لنا من إصابة اغلب أبنائنا ولكن لا نريد ان تتكرر معاناتنا مع جيل جديد من المفترض انه يعي ويشاهد حجم المعاناة التي حلت بالكثير من المصابين لدرجة وفاة شباب وأطفال بسبب مضاعفات المرض».

وتعمل وحدة الدعم المعنوي الاجتماعي التابعة لإدارة مراكز الرعاية الصحية الأولية بالقطيف من خلال مركز فقر الدم المنجلي على زيادة الوعي عند أفراد المجتمع إضافة تقديم الدعم المعنوي للمصابين من خلال الندوات التعريفية بكيفية التعايش مع المصابين او من خلال البرامج الترفيهية التي تستهدف الأطفال لتوعيتهم بخطر هذا المرض بطرق مبتكرة تحتوي تحتوي على التعليم من خلال الألعاب والمسابقات.

فحوصات ما قبل الزواج

منذ ما يقارب الخمس سنوات تم إلزام المقبلين على الزواج بعمل فحوصات للتأكد من عدم خطورة الاقتران على الأبناء وذلك في محاولة جادة للحد من انتشار أمراض الدم الوراثية التي تنتقل عبر الوالدين فقط.

ويتحدث الدكتور شوقي المشرف والذي يعمل منسق الزواج بمركز اللياقة الطبي بالدمام عن ضرورة تكاتف الأسرة والمدرسة ورجال الدين ووسائل الإعلام المختلفة بتوعية الشباب المقبلين على الزواج وضرورة محاولة تنويرهم بما يترتب على الزيجات التي يصدر لها شهادات بعدم التوافق. ويضيف «للأسف تخطئ كثير من العوائل في حق أبنائها وأحفادها عندما تتجاهل نتائج الفحوصات، وذلك ان كثيراً منهم يقومون بترتيب وتجهيز كل مستلزمات الزواج قبل القيام بالخطوة الأولى وهي الفحص الطبي، لذلك عندما يتفاجئون بنتيجة الفحص غير المتوافقة تكون فكرة التراجع غير واردة بالنسبة لهم، وهذا ما يترتب عليه استمرار إنجاب أجيال تحمل الأمراض الوراثية».ويؤكد المشرف ان التقيد بنتائج الفحوصات ما قبل الزواج من شأنها ان توفر أموال طائلة على العوائل والدولة من خلال ما يصرف على العلاج والأدوية، كما تحقق استقرار نفسي واجتماعي و وظيفي أيضا. ويذكر المشرف أنهم لا يملكون إحصائيات واضحة تبين عدد المتقيدين بنتائج الفحوصات من عدمه مبينا ان الأغلبية وبنسبه تقريبية تصل إلى 60% لا تتقيد بنتائج الفحوصات.

ويضيف «لن يتم القضاء على هذا المرض إذا استمر الوضع على ما هو عليه من عدم التزام النسبة الأكبر من المقبلين على الزواج».

عجز الطب عن علاجه

اصدر عدد من الأطباء والاستشاريين إضافة لبعض الإدارات كوحدة الدعم المعنوي والاجتماعي الخاص بمرض فقر الدم المنجلي بالقطيف عدة إصدارات مطبوعة بهدف توعية المجتمع بخطر مرض السيكلسل وكيفية التعامل مع المصابين به.

ويذكر استشاري أمراض الأطفال بمركزي القطيف الدكتور إبراهيم الدبوس انه لا يوجد حتى الان دواء ناجح للشفاء من هذا المرض لذلك يتركز العلاج في التخفيف من أعراضه وعلاج مضاعفاته ويوضح ان الأبحاث العلمية مستمرة للبحث عن علاج آمن ومؤثر للشفاء منه.

ويوضح استشاري الإمراض الباطنية بمركزي القطيف الدكتور علي ال جامع أن زيادة الوعي الصحي عن هذا المرض وتكاتف أفراد المجتمع لعدم إنجاب أجيال مصابة به من أهم وسائل التخلص منه.

وينصح الأطباء المصابين بالسيكلسل بالمواظبة على مراجعة الطبيب بصفة دورية وإتباع إرشاداته، والعناية بالغذاء الصحي وعدم تناول الأطعمة المحظورة كالبقوليات، والإكثار من شرب السوائل وتجنب الإجهاد الشديد والسهر مع عدم التعرض للبرودة الشديدة والحرارة المرتفعة.

فصل من وظيفته ولا تأمين صحياً

لم تدم فرحة (أ. الهاشم) بحصوله على وظيفة في احد القطاعات الخاصة لمدة أكثر من أربعة شهور وذلك بعد ان تعرض لنوبة ألم جعلته يغيب عن العمل كون حالته استدعت تنوميه في المستشفى لتلقي العناية اللازمة، مما حدا بمسئوليه ان يطلبوا منه ترك العمل لعدم استعدادهم لتوظيف مصاب بمرض السيكلسل الذي يجعل من صاحبة كثير الغياب.

ولم تشفع محاولات الهاشم في إقناع مسئوليه بحاجته الماسة للوظيفة حيث قوبلت جميعها بالرفض.

ويسأل «كيف نصرف ونكد على أنفسنا اذا كانت وجهة نظر القطاع الخاص لنا بأننا غير صالحين للعمل وفي نفس الوقت من الصعوبة ان نجد وظيفة في القطاع الحكومي، وهذا ما يجعل منا عناصر غير فاعلة في المجتمع وهذا ما نرفضه ونطالب بتوفير فرص لنا لنثبت أننا أهل للثقة».

وطالب عدد من المصابين بمرض السيكلسل إدراج حالتهم من ضمن الأمراض التي تتم تغطية تكاليفها من قبل شركات التامين الصحي، خصوصا ان المستشفيات المركزية العامة تكون مزدحمة في اغلب الأحيان، كما ان تكلفة العلاج تكون عالية جدا ولا يستطيع كثير من المصابين تحملها.

ويتحدث هشام ال احمد عن تجربته من خلال معايشته حالة والده المصاب بالسيكلسل ومحاولاته المتعددة للحصول على تأمين صحي من شركات التأمين إلا ان محاولاته باءت بالفشل وذلك ان جميعها لا تغطي تكاليف هذا المرض. ويضيف «أقوم بنقل والدي عندما يتعرض لنوبات الألم لمستشفى القطيف المركزي اغلب الأحيان، وذلك ان مصاريف المستشفيات الخاصة باهظة الثمن ولا نستطيع تحمل المصاريف خصوصا انه في بعض الأحيان تستدعي حالة والدي دخوله عدة مرات في الشهر، وهذا ما يستدعي النظر في إنشاء مستشفى حكومي لاستقبال مرضى السيكلسل فقط نظرا لعدد المصابين في المحافظة والمنطقة ككل».

خطا في التحليل

لم تفلح محاولة ماجد السادة الذي كان حريصا على ان يقوم بالتحاليل ما قبل الزواج رغم عدم إلزامها عندما تزوج منذ ثماني عشرة سنة من تفادي إصابة ابنته بمرض السيكلسل، وذلك ان المستشفى الذي أجرى فيه الفحوصات زوده بنتيجة خاطئة أوضحت بأنه سليم ولا يحمل اي أمراض وراثية بينما الحقيقة انه (حامل لمرض السيكلسل) وشاء الله أن يتزوج من فتاة (تحمل نفس المرض).

ويذكر السادة «عندما استلمت النتيجة التي أجريتها في احد المستشفيات الحكومية بالدمام التي أوضحت بأني سليم من اي مرض وراثي، شعرت بالطمأنينة بان لا خطر على أبنائنا في المستقبل لو اقترنت بمصابة او حاملة للمرض، ولكن كانت المفاجأة عندما بدأت الأعراض تتضح على ابنتي وهي صغيرة لنكتشف انها مصابة بالمرض مما دعاني وزوجتي لإجراء تحاليل أوضحت بأننا نحمل المرض».

ويوضح السادة ان لدية خمسة من الأبناء احدهم يحمل المرض وأخرى مصابة به والباقون سليمون.