توفي الكاتب الأمريكي جون أبدايك John Updike عن 76 عاماً قضى أكثر من خمسين عاماً منها متفرغاً للكتابة. وتنبع أهمية أبدايك من كون كتاباته تعكس تطور النظرية الأدبية منذ الستينيات وحتى نهاية التسعينيات. فبعد سيادة البنيوية وتركيزها التام على النص وما فيه فقط أدرك النقاد عجزها عن استيعاب أهمية التغيرات السياسية والاجتماعية في تكوين العمل الأدبي وتوليد معانيه. ولسد عجز البنيوية ازدهرت التفكيكية التي اتسعت لتشمل جوانب أخرى مثل أساليب التحليل النفسي. وبعدها روّج التاريخيون الجدد لأهمية دورة الزمن وتعاقبه في بناء الهوية. وكل هذه التطورات يمكن ملاحظتها من خلال دراسة أدب جون أبدايك الذي شملت كتاباته 30 عنواناً منها الروايات ومنها المجموعات القصصية القصيرة، ومنها 6 دواوين شعرية وعدد كبير من المقالات النقدية. وقد نشر أغلب إنتاجه في مجلة النيويوركر التي ظل مواظباً على الكتابة فيها حتى وفاته هذا العام بسبب إصابته بسرطان الرئة.

وقد بدأت موهبة أبدايك في الظهور أولاً من خلال رسم الكاريكتور الذي تركه بعد فترة متجهاً إلى كتابة الشعر ثم القصة القصيرة ثم الرواية. ويجمع النقاد على استمرار فن الكاريكتور في الظهور من خلال كتاباته، فلا تزال آثار مرحة ساخرة من رسومه الكاريكتورية تتغلغل في كتاباته من قصة وشعر ورواية.

وكتابات جون أبدايك الذي ولد عام 1932م أدبية بحتة ولكنها في نفس الوقت كتابات جادة حية تعكس التحولات التي طرأت على الكتابة الإبداعية وعلى المجتمع في الولايات المتحدة الأمريكية على مدى أكثر من نصف قرن. وقد نشر أول إنتاجه ديوان «The Carpentered Hen» عام 1958م. ثم نشر أول رواية له هي «The Poorhouse Fair» عام 1959م، ولكنه لم يذق طعم الشهرة الحقيقية إلا مع صدور روايته الثانية «Rabbit, Run» عام 1960م، والتي أصبحت الجزء الأول من رباعية تتابعت أجزاؤها على مدى ثلاثين عاماً، وتدور حول الحياة في أمريكا والتغيرات التي تعصف بها. يقول أبدايك عن شخصية رباعيته الشهيرة: «كانت شخصية هاري أنجستروم الذي لقبته «أرنب» (Rabbit) هي وسيلتي لتقديم أمريكا التي أراها في كل ما حولي. إن ما أراه من خلال عيني الشخصية أكثر أهمية مما أراه من خلال عينيّ».

في بداية الرباعية، يبدو الملقب ب «أرنب» رجلاً عادياً من الطبقة المتوسطة يواجه مشاكله الشخصية بالهروب منها والتورط في مشاكل أخرى أكبر منها دون أن يحقق إنجازات تذكر. وبسبب عدم تميزه يجد «أرنب» صعوبة في إقناع رفاقه بدعمه لدخول أمريكا الحرب في فيتنام. وهو كذلك يشعر بالاضطراب في وجود السود من مواطنيه. كما يوشك على التورط في علاقة عاطفية تهدد استقرار زواجه. ونشر هذا الجزء من الرباعية عام 1960م يعزز اتجاه التنظير الأدبي الذي يناقض البنيوية التي تهتم فقط بالنية الروائية للعمل الأدبي دون النظر في تأثير زمن كتابة العمل على المعنى العام له. «Rabbit, Run» تعكس بوضوح تأثير الأحداث السياسية على المجتمع من خلال معايير محددة يتعين على الأفراد التصرف وفقها.

وفي الجزء الثاني من الرباعية: «Rabbit Redux» التي نشرت عام 1971م يقدم أبدايك من خلال نفس الشخصية كيفية تغير نظرة «أرنب» إلى نفسه وتقييمه لها مع تغير مفاهيمه السياسية والاجتماعية التي أصبحت تحمل وعياً أكبر بحقوق الفئات التي كانت مهمشة مثل المرأة والأقليات والمجموعات العرقية. ومرئيات «أرنب» أبدايك تتواءم مع ازدهار التفكيكية التي وضع أسسها كل من ميشيل فوكو وجاك داريدا في بداية السبعينيات وطرحها كبديل للبنيوية الناقصة في تقييمها للمعاني المستمدة من التأثير المتبادل بين الشخصيات ومحيطها العام.

وفي الجزء الثالث من الرباعية: «Rabbit Rich» التي نشرت عام 1981م، يستمر تطور ونضج شخصية «أرنب»، حيث يجد السعادة على الرغم من المشاكل السياسية والاقتصادية التي تواجه بلاده خلال نهاية السبعينيات. وسبب إحساسه بالرضا هو انحسار فترة شبابه واستقرار عواطفه. وهنا يوضح أبدايك بشكل مذهل تأثير مذهب الناقد والمنظّر لاكان في التلحيل النفسي الذي ساد في نفس الفترة في تشكيل العلاقة بين العمل الأدبي ومتلقيه.

في الجزء الرابع: «Rabbit at Rest» التي نشرت عام 1990م يكتمل نمو شخصية «أرنب»، فهو أكثر استقراراً ونضجاً وتقبلاً لآراء الآخرين، ولكن أرنب، في المقابل، يواجه نفس المشاكل لتي واجهها في شبابه من خلال مشاكل أولاده وأحفاده. وهنا أيضاً يبدو أبدايك ملماً بالتطورات التي تتعلق بالنظرية الأدبية في تلك الفترة، والتي تأخذ بالحسبان تأثير الزمن ودورانه (التاريخيون الجدد) على المعنى العام للعمل الأدبي. وتعتبر هذه الرباعية من أشهر أعمال أبدايك، وقد أدت إلى حصوله على جائزة بولستير مرتين.

ويذكر أبدايك أن الكثيرين يسألونه عما قد يكون رأي شخصية «أرنب» في أحداث جسام طرأت على المجتمع الأمريكي بعد إنهائه للرباعية الشهيرة مثل أحداث 11 سبتمبر، أو رأيه في تصرفات الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش المثيرة للجدل. ويقول الكاتب: «وما عساي أن أقول. لقد أنهيت حياة الشخصية. فلا يعرف أحد متى يحين موته. فبعد تجاوزي لسن الخمسين رأيت من الأفضل أن أنهي حياة شخصيتي قبل أن أموت أنا وتبقى معلقة. ثم شعرت بالندم»!!

وبسبب شعور أبدايك بالندم على إنهائه حياة «أرنب» يصدر عام 2003م قصة طويلة بعنوان «Rabbit Remembered» تشكل الجزء الخامس المكمل لأجزاء الرباعية، ويعالج فيها قضايا بقيت عالقة بعد وفاة البطل، كما يعطي أبدايك من خلالها قارءه الفرصة لمعرفة ما جرى لعائلة «أرنب» من بعده.