النقاش الدائر حول قضية التعامل مع العمالة الوافدة بجميع جنسياتها والنظرة السلبية التي باتت تشكل اتجاه التعامل معها حتى على المستوى الإنساني ، وما يتبع ذلك من تصرفات سلبية وظلم وأكل حقوق ومماطلة وتسويف فضلا عن الغلظة في التعاطي ، وكأن هؤلاء العاملين الذين جاءوا من أقاصي الدنيا صاروا وباءً ينبغي التخلص منه بعد انتهاء الحاجة منه .

البعض يبرر لنفسه ما يفعله في من يعمل لديه من الأجانب بأشياء تفتقر للمنطق والعقلانية ومنها أنهم يضاعفون بطالة الشباب السعودي ، ويحاولون فرض ثقافتهم الغريبة على عادات وتقاليد مجتمعنا ، ويعتبرون ذلك مسوغا لهم لأكل حقوقهم أحيانا ، أو التعسف معهم حتى يرضو ضمائرهم النائمة.

هل فات هؤلاء قول الله تعالى: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " فكل مجتمع وكل شريحة فيها الصالح والطالح وليس معنى أن يفسد البعض أن نأخذ الجميع بجريرتهم ، كما أعتقد أن النظام الذي وضعته وزارة العمل كفيل بتنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل بما يوفره للطرفين من حقوق ويلزمهم بواجبات محددة ، لكن المشكلة تكمن في إساءة استخدام تلك القوانين من جانب بعض الأشخاص فيتحايلون على الأنظمة لتحقيق مصالحهم و خدمة امزجتهم الشخصية .

الكل يعرف أن المملكة تصنف على أنها واحة الإنسانية والعدل بما تتشرف به من احتضان أقدس بقاع الأرض وبما يرسخه قادتها - حفظهم الله - كل يوم من قيم نبيلة ترتفع فوق الاعتبارات العرقية والأجناس ، وتستظل بتعاليم الإسلام السمحة فلماذا نسيء إلى كل ذلك ونسمح لقلة منا بأن تصدر للآخرين صورة سوداوية بتعاملات لا يرضى الله عن كثير منها ؟

إذا كنا نريد محاربة البطالة وتوطين العمالة بشكل فعلي فلماذا لا نفتح الأبواب الموصدة في شركاتنا العملاقة لتدريب وتأهيل شبابنا فعليا وليس شكليا للوظائف التي يقال إنها محتكرة من جانب العمالة الوافدة ؟ ولماذا لا نتخلى عن الازدواجية فنعلن عن أمانينا بزوال الوافدين للعمل وتسيد أبناء الوطن مواطن العمل المختلفة فيما نمنح أولئك الذين نعاملهم أحيانا بازدراء الفرصة لقيادة الدفة ؟

إن الثقة بأنفسنا وبقدراتنا وبكوادرنا الوطنية هي التي ستجعلنا نبتكر حلولا لما نعانيه من أزمات دون أن نسيء لأحد فيمكن على سبيل المثال فرز الكفاءات الوافدة الموجودة في البلاد بصورة غير نظامية واختيار أفضلها للاستمرار ، ودراسة ظاهرة هروب العمالة المنزلية ومعاقبة من اغراهم , ووضع حد للعمالة السائبة المخالفة للقوانين والبدء بخطة قوية لإعادتهم إلى بلادهم ، فالبطالة ومخالفة الأنظمة بالإقامة غير الشرعية هي التي تدفع معظمهم إلى ارتكاب المخالفات ، ونشر الفاحشة في سبيل جني المكاسب التي يمنون أنفسهم بها في شهور أو سنوات قليلة قبل القبض عليهم ، وهناك ( وهو ما يؤسف له ) بعض المواطنين المستفيدين من هؤلاء يتولون استقدامهم إلى البلاد لقاء مبالغ كبرى ثم يطلقونهم في أنحاء المملكة على أن يدفعوا إليهم مبالغ أخرى سنوية أو شهرية ليغضوا الطرف عنهم ، وفي سبيل المال لا يهم هؤلاء ما يحدث ، فينتشر المخالفون كالسرطان ينخرون اقتصادنا ويدمرون الأخلاقيات والقيم وهم يدركون أنه حتى لو قبض عليهم وتم ترحيلهم إلى بلادهم فإنهم سيعودون مرة أخرى باسم وهوية جديدة وربما دونما تغيير طالما وجدوا من يحتضنهم ويسهل لهم التواجد في البلاد لقاء بضع ريالات .. فهل هانت بلادنا العظيمة على هؤلاء إلى هذا الحد ؟!!

وأجزم أنه إذا أغلق هذا الباب فستخلو البلاد من هؤلاء المخالفين وسنتفرغ للبناء والتنمية بسواعد وأفكار شبابنا السعودي إلى جانب الخبرة المتمثلة بالعمالة الوافدة التي يجب أن يقنن وضعها ليبقى منها ما يستحق البقاء ويفيد البلاد.

نحن نحتاج لحملة تطهير وتنظيف حتى لا يؤخذ المحسن بالمسيء ولكي تنتفي مبرراتنا للتعامل غير السليم ، وحتى نقلل كثيرا من حجم الاستنزاف الحاصل لجهود أجهزتنا الأمنية وجهاتنا الحكومية ، ونمنع تحول أحياء خاصة ببلادنا إلى بؤر للأنشطة الإجرامية ، ويجب أن يشارك الكل في التصدي لا فرق بين مسؤول حكومي ومواطن فالجميع يجب أن يتشاركوا إما بالمواجهة أو النصيحة أو الإبلاغ حتى ننجح في استئصال تلك البؤر التي باتت تؤثر كليا على تميزنا الاقتصادي والاجتماعي وتشوه المنظر الحضاري لبلادنا التي أكرمها الله بقيادة رشيدة تعمل ما بوسعها وأكثر لضمان حياة أفضل لرعاياها .

إن اعترافنا بفضل العمالة الوافدة خاصة من الجنسيات العربية والإسلامية والآسيوية والتعامل مع أفرادها باحترام لن ينتقص منا ، ولن يسيء إلينا مطلقا ، بل سيجعلنا في عيون الآخرين أصحاب حضارة أصيلة نثق بقدراتنا ونعترف بالفضل لمن شارك معنا في التنمية والبناء ، وعلى الأسر أن تعلم أبناءها ثقافة التعامل مع الآخر باللين والحسنى حتى تكتمل الصورة لديهم ، وتتلاشى تلك المناظر السلبية التي تشهدها بعض شوارعنا من اهدار لكرامة من جاء ليشاركنا في البناء والتنمية في وطن يحتضن الجميع.