أعلنت المملكة العربية السعودية الأسبوع الماضي ميزانية عام 2009م، وقُدرت فيها المصروفات بـ (475) مليار دولار، أي بزيادة 16% عن المصروفات المقدرة للعام الماضي، وإن كان ذلك يقل عن المصروفات الفعلية بنسبة 7%. وتم تبني هذه الميزانية التوسعية expansionary على الرغم من الانخفاض الملموس في أسعار البترول وما سيترتب عليه من انخفاض في الدخل خلال عام 2009م.

والميزانية التوسعية مطلوبة في أوقات الركود الاقتصادي، وتتمشى مع ما تم الاتفاق عليه في قمة العشرين في 15 نوفمبر 2008م بضرورة تبني سياسات مالية تحفيزية عن طريق زيادة الإنفاق الحكومي.وبشكل عام يوصي الاقتصاديون بأن يكون الإنفاق الحكومي معاكساً لمسار الدورة الاقتصادية counter-cyclical أي أن يزيد الإنفاق الحكومي في حالات الركود بهدف تحفيز الاقتصاد والمحافظة على معدل صحي للنمو الاقتصادي. وفي المقابل، يُستحسن عدم التوسع في الإنفاق الحكومي في حالات النمو المتسارع، لكيلا يساهم ذلك في تسخين الاقتصاد ورفع معدلات التضخم.ولا يتسنّى للدول المنتجة النفط دائماً أن تضع ميزانياتها وفقاً لما تتطلبه الدورة الاقتصادية، بل تقوم بعض الدول بزيادة الإنفاق لدى زيادة دخل النفط، وخفض الانخفاض مع انخفاض الدخل، أي أنها تتبنى سياسات متوافقة مع الدورة الاقتصادية pro cyclical وليست معاكسة لها، وهو خلاف المطلوب ويمكن أن يؤدي إلى آثار عكسية تفاقم الوضع الاقتصادي بدلاً من أن تساهم في حله.

ونظراً إلى أن انخفاض أسعار البترول عادة ما يرتبط بالركود الاقتصادي، والعكس بالعكس، فإن ذلك يضع عبئاً كبيراً على صناع القرار في الدول النفطية، فزيادة دخل البترول تؤدي إلى رفع التوقعات بزيادة الإنفاق، بصرف النظر عن تأثير ذلك على الدورة الاقتصادية. وبالمقابل فإن انخفاض الدخل يعني عادة عدم قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق على الرغم من الحاجة إلى ذلك لتحفيز الاقتصاد والحفاظ على مستوى مقبول من النمو والرفاه للمواطنين.ومن حسن حظ المملكة أنها تمكنت من تحقيق فوائض فاقت تريليون دولار خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وبلغ الفائض العام الماضي فقط (590) مليار ريال! وهو مبلغ غير مسبوق، مما سيمكنها من المحافظة على مستويات عالية من الإنفاق وما يترتب عليه من تحفيز للاقتصاد والاستمرار في المشاريع التنموية الرئيسية.

والوقت في الحقيقة مواتٍ للتوسع والإنفاق على المشاريع التنموية الكبرى في المملكة، إذ أدى الركود الاقتصادي العالمي إلى انخفاض في تكلفة إنجاز المشاريع بسبب انخفاض الطلب، مما سيوفر فرصة لتنفيذها بتكلفة أقل مما كان متوقعاً العام الماضي. ولعل انخفاض الطلب العالمي يُترجَم لدينا أيضاً بتسريع فترات تنفيذ المشاريع، فإحدى أهم العقبات التي تواجهها التنمية في المنطقة هو عدم القدرة على تنفيذ المشاريع بسبب ندرة المواد وارتفاع تكلفتها وعدم وجود أعداد كافية من المقاولين المؤهلين.