نقصد بالمعنى الثقيل كل معنى يقدمه الخطاب السائد على أنه مكتمل ثابت يفترض في الآخرين تقبله دونما تشكيك في جديته وجدواه.. الثقافات التقليدية التي يمضي زمنها التاريخي وتبقى طافية على مياه التاريخ هي الخزان الذي لا ينفذ لمعان من هذا النوع أو من هذا القبيل استراتيجيات نشر وتكريس معان لهذه أصبحت مألوفة حد الابتذال..

إسناد المقولات المعرفية والفكرية والأخلاقية القيمية الى مقولات جوهرية متفلتة من شروط الحياة الإنسانية كما تتحقق وتعاش في حدود أزمنة وأمكنة محددة.. هكذا تتكاثر النماذج التي تتوهم وتصدق أنها تعرف جيداً كل الحقائٍق الأساسية عن الإنسان والعالم والكون، ومنذ الأزل إلى الأبد والنتيجة المنطقية الوحيدة لهيمنة هذه النماذج وخطاباتها عن واقع الحياة اليومية وعلاقاتها هو تكاثر النماذج التي تشعر بأن حياتها تتحول كل لحظة وفي كل مقام إلى عبء ثقيل لا يطاق ولا خلاص منه إلا بالموت.. وضمن منطق الجدل والحراكات الاجتماعية والثقافية التي تغذيه وتنوع تعبيراته ومساراته يبرز الدور الأساسي للخطابات الفنية الجمالية في كسر جمود المعاني المهيمنة وكشف ألاعيب خطاباتها..

فالخطاب الجمالي كله خطاب لعبي يحتفي كل الاحتفاءات بمعاني الحقيقة النسبية الناقصة الملتبسة المتغيرة، مثلها مثل تجارب الأفراد وخبراتهم الذهنية والسلوكية التي هي في سيرورة تحول وعبور دائم من حال إلى حال.. الكائن لا يسبح في نهر الحياة مرتين لأن مياه النهر تعبر بخفة وسرعة كل لحظة ولأن الجسد ذاته لا يعود هو في لحظتين متتاليتين.

مقولة كسر المعنى الثقيل إذاً، تسمى وظيفة أولية لكل كتابة تعي هذه المفارقات وتحاول تشخيصها ونمذجتها في شكل فني يستقل بمنطقه الخاص عن كل منطق خارجي.. وإذا كانت روايات إبراهيم خضير ويوسف المحيميد وعبدالحفيظ الشمري تتجرأ على معان وعلاقات ثقيلة متنوعة فإن «صوفي» لمحمد حسن علوان تذهب إلى مدى بعيد جداً في اختلاق مقامات سردية لا تحضر فيها أصوات الواقع وخطاباتها إلا لتنكسر وتتشظى في كل اتجاه.. كأن الطاقة التخيلية العالية واللغة الشعرية الجامحة تدفعان الذات الكاتبة دفعاً إلى الحدود القصوى حيث هناك فقط يمكن المزج بين متخيل ممكن الوقوع وفنتازي يخترق ويتجاوز ويصدح كل واقع وتوقع.. فالحكاية التي يختلقها الكاتب موضوعاً وفضاء لمغامرته الروائية الثانية مبنية في مجملها على منطق المفارقات الكبرى التي تجعل الحياة كلها تبدو حدثاً يطل على هاوية سحيقة معتمة يمكن أن يسقط فيها الكائن في أية لحظة، ولهذا فهو يعيش وجوده واعياً كل الوعي بأنه على حافة الموت.

تبدأ الحكاية الغريبة العجيبة هذه بحوارات صدفية عابثة أو يائسة بين شاب يحاصره الملل من رتابة حياته في الرياض.. وفتاة يحاصرها مرض السرطان في بيروت.. الحافز المشترك للتواصل التقني هذا ليس هو التوق إلى لقاء الآخر تحقيقاً للعواطف واشباعاً للرغبات المتفتحة على الحياة والأمل، بل هو البحث عن خلاص مستحيل من حالة عيش يحاصرها الموت ويخترقها بثقله ومأساويته في كل تفاصيلها.. فهو يعاني في مدينة تغلق أبوابها في وجد معاني الحياة الخفيفة المرحة المنطلقة التي يحلم بها ويبحث عنها فلا يجدها وهي في مدينة تحتفي بكل أشكال الحياة المتفتحة البهيجة السعيدة، لكنها غير قادرة على التمتع بشيء منها لأن المرض الخبيث احتل الجسد وانهكه وها هي صاحبته وضحيته تعيش كمن يحاصر ألمه ليحصي، بلا مبالاة، ما تبقى له من أيام.. كلاهما إذاً متورط في شرط كئيب فاجع هو ما يجعل الحياة عبئاً ثقيلاً وعبثاً مؤلماً متصلاً!.. وتزداد معاني المفارقة كثافة واتساعاً حينما يفضي ذلك الحوار الذي لا حوارية فيه إلى حب من جنسه وعلى شاكلته، بل وإلى علاقة جسدية لا يمكن أن يستغرقها شيء من أفعال الحب ودلالاته المعهودة!.. حتى حين تحاول اللغة السردية تصعيد جماليات الحدث عبر مجازاة شعرية ترسم لصوفي صور ملاك يمرض ويحتضر ويموت.. لا تنجح المحاولة في مستوى التعبير حتى تتعمق الدلالات المأساوية المفارقة في مستوى الدلالة لماذا؟.. لأن المتلقي لن يستطيع إبعاد المشهد الشهوي الرغبوي المتكرر عن المشاهد السابقة واللاحقة لطرفين يعاني كل منهما مرضه العضال الخاص به.. إننا أمام حكاية لا ذاكرة لها في الرواية العربية أو في الرواية العالمية حسبما نعلم، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن مدى رمزيتها.. من هذا المنظور تحديداً يمكننا قراءة هذه الكتابة الروائية باعتبارها مرثية شعرية فاجعة لشخصيات هي في حكم النماذج على الرغم من هذا الشذوذ الظاهر في وضعياتها وعلاقاتها.. إنها إذاً رموز ومجازات مختزلة لمجتمعات تعيش غير بعيد عن الوقائع الفاجعة والمصائر المعلقة بين مجهولات لا يخفف من روعها ورعبها سوى الموت المنتظر كقدر صارم لا مهرب منه إلا إليه.. أما تلك اللغة الشعرية العالية المرهفة فهي لغة كاتب يغلف رؤيته المأسوية العبثية للحياة والعلم بغلالة جمالية يمكن أن تمتع القارئ دون أن تعفيه من الإحساس المر المؤلم بفقد جماليات الحياة في الحياة لا في حضرة الموت.. هنا تحديداً نعود إلى تلك الشاشة الخلفية الهائلة التي تملأ الأفق وتجعل هذه الرواية وصاحباتها تنويعات سردية على الواقع الفاجع المختل المعتل ذاته.. ليت المغامرات الروائية القادمة لهؤلاء الكتاب ولغيرهم، تحتفي بتلك المعاني الخفيفة المرحة الساخرة حتى لا تجابه المعاني الثقيلة السائدة في أخبارنا وخطاباتنا بما هو أكثر ثقلاً وكآبة منها!