عبارة فشل السوق market failure عبارة تقنية في الاقتصاد تصف وضعا لا يوفر فيه السوق سلعا وخدمات بالمستوى الأمثل اجتماعيا، مما يبرر تدخل الحكومة. وأسباب فشل السوق كثيرة، من أبرزها إحدى الصفات التالية:

٭ وجود خصائص في السلعة بحيث تجعل السلعة تخضع سوقيا لفرد أو مؤسسة أو فئة.

٭ طبيعة السلعة تحمل تأثيرات وأبعادا خارجية أو إضافية، بحيث تجعل أسعارها لا تعكس تكاليفها على أو منافعها للمجتمع، أو تجعل تكلفتها زائدة عن مقدرة المستهلك.

٭ استهلاك/استفادة السلعة يتصف بأنه غير تنافسي - استهلاك سلعة بعينها من قبل فرد لا يقلل أو يؤثر سلبا على استفادة آخرين منها في الوقت نفسه.

في ضوء الشرح السابق، هل يعاني الإسكان من فشل سوق على نحو ما؟

الجواب نعم، استنادا إلى هدف المجتمع في القدر المطلوب توفيره من السكن.

يوضح هدف المجتمع خطة التنمية الثامنة (1425/1426-1429/1430 الموافق 2005-2009) التي نصت على هدفين رئيسين لقطاع الإسكان:

٭ توفير مسكن لكل أسرة لا يتوفر لها المسكن.

٭ زيادة ملكية المواطنين للمساكن. وتحديدا، أشارت الخطة إلى استراتيجية تستهدف تملك نحو 80% من السكان لمنازلهم عام 1440، مقارنة بنسبة تدور حول 50%، وقت إعداد الخطة.

طبعا التمويل عنصر أساسي في تحقيق هذين الهدفين. وقد عول الناس في الماضي على صندوق التنمية العقارية، إلا أن دوره انحسر لأسباب ليس مجال مناقشتها هذا المقال، ويهمنا الوصول إلى رأي خلاصته أنه لا يمكن الاعتماد على الصندوق (بسياساته ووضعه الحالي) لتحقيق الهدفين السابقين.

حسنا، ماذا عن تمويل السوق؟ هل يمكن لآلية السوق أن تحقق هذين الهدفين؟ الحديث عن السوق يتضمن تلقائيا الحديث عن القدرات الشرائية للناس.

رغم ارتفاع أسعار ومن ثم إيرادات النفط، مصدر الدخل الأول في دول مجلس التعاون، إلى عدة أضعاف منذ عام 2003، إلا أن تلك الإيرادات تذهب للحكومة، ومن ثم لا ينعكس ارتفاع أسعار النفط على دخول الناس مباشرة. ولا تتوفر إحصاءات رسمية عن متوسط الدخل الشخصي المتاح في المملكة، إلا أن هناك مؤشرات تدل على أنه لم يرتفع بنفس ارتفاع أسعار وإيرادات النفط، أو ارتفاع أسعار العقارات وتكلفة إنشاء المباني. فقد ذكر تقرير مؤسسة النقد العربي السعودي (2007، ص 215-223) أن متوسط الأجر الشهري في الحكومة يزيد عن نظيره في القطاع الخاص عدة مرات. والسبب أن هناك ما لا يقل عن ثلاثة ملايين من قوة العمل السعودية، التي تعمل في منشآت لا تعطي دخولا عالية، أو أنهم عاطلون أو نصف عاطلين. أما الذين يعملون في الشركات والمؤسسات التي تدفع رواتب وعوائد أعلى من الحكومة أو منافسة فلا يتجاوز عددهم مئات الآلاف. ويلاحظ أن غالبية العاملين في القطاع الخاص من غير السعوديين، وجلهم استقدموا بأجور متدنية نسبيا، مما خفض المستوى العام لأجور السعوديين في القطاع الخاص.

مقارنة تكلفة الأرض والبناء بمستويات الدخول تجعل الحصول على سكن لائق تتوفر فيه حدود دنيا من المعايير أمرا خارج قدرة كثير من الناس. ولا ننسى أن الإسكان يولد عددا من التأثيرات الخارجية externalities، كما أن ثقافة وعادات المجتمع تضغط تجاه توفير مرافق إضافية، تزيد عن حاجة أهل البيت أنفسهم، بالمعنى الأصلي الضيق.

ولذا من المهم جدا ألا يتوهم أحد أن السوق يوفر تمويلا سكنيا (أو غير سكني) بشروط في متناول الجميع، كما تدعي بعض الإعلانات، لوجود جانبين متعارضين:

٭ عائد جذاب للمشاركين في السوق.

٭ شروط معقولة للدائنين المحتملين.

إقرار قوانين التمويل العقاري سيحل مشكلة بعض الناس، ولن يحل مشكلة الباقين. ولذا يمكن أن نعتبر أن هناك فشل سوق market failure في توفير سكن لائق ميسر أو مقدور الحصول عليه من شريحة كبيرة من المجتمع.

لابد من تدخل الحكومة بوضع آلية دعم تمويل لبناء وتملك المساكن، تتصف بالرسوخ والاستدامة، وسيكون ذلك موضع حديث مستقبلا، إن شاء الله. وبالله التوفيق،،،

٭ دكتوراه في الاقتصاد