@@ أرجعتني دموع "جيسي جاكسون" وهو يتابع أول خطاب القاه الرئيس الأمريكي الجديد (باراك اوباما) بعد إعلان فوزه على منافسه (جون ماكين).. ارجعتني تلك الدموع المحتقنة داخل عينيه الملتهبتين الى اثنين وعشرين عاماً سابقة..كنت ازور خلالها الولايات المتحدة الامريكية..وتحديداً مدينة (واشنطن سياتل) بدعوة من شركة بوينج للطيران..

@@ ففي احد ايام الزيارة..قمت بمغادرة الفندق الفاره..وتجولت في الاسواق القريبة منه..لكنني توقفت بصورة مفاجئة..امام أحد المتاجر الكبيرة وقد لفتت نظري لوحة كبيرة كتب عليها "ممنوع دخول العرب والسود والكلاب"..

** لا تتخيلون قدر صدمتي وانا اقرأ هذا الكلام المر..

@@ فأنا عربي..وهذا يعني انه ليس مسموحاً لي بدخول هذا المتجر..

@@ والشارع الذي يمتد أمامي طويلاً يغص بالأمريكان ذوي البشرة السوداء..وهم الآخرون.. بموجب هذه اللوحة (المقززة) ممنوعون مثلي من دخول هذا المحل..

@@ والأدهى من ذلك كله..

@@ أن يكون صاحب هذا المحل (لا سامحه الله)..قد ساوى بين العرب وسود العالم كله وبين الكلاب وحرمهم من الدخول اليه.. وشراء أحذيتهم منه..

@@ ويومها سألت نفسي بمرارة :

@@ هل هذه هي أمريكا؟!

@@ هل هذه هي البلد الأكثر حضارة؟!

@@ هل هذا هو بلد الذي حرر العبيد (اإراهام لنكولن)و صاحب الحلم الكبير (مارتن لوثركنج) ورونالد ريغان الذي كان يحكمها في تلك الفترة؟!

@@ لقد كانت الصدمة عنيفة ومزلزلة بالنسبة لي.. لأنني لم اكن اتصور ان تبلغ الكراهية للعرب والسود الى هذا الحد من العنف في بلد يفترض فيه ان يكون (صانع حريات) وليس بلد (تفرقة عنصرية) مقيتة بمثل هذه الصورة المؤلمة للنفس..

@@ المهم.. ان دموع جاكسون (الساخنة) دفعتني الى هذا التداعي..حيث تلازم لدي هذا المشهد المؤثر بتلك الواقعة الدامية..لكن المشهدين اوصلاني الى نتيجة مختلفة.. اوصلاني الى ما كنت أبحث عنه آنذاك في بلد الحريات..الى العدل والمساواة بين البشر.. الى تكريم الانسان وإعلاء شأنه.. وهذا ما تحقق بفوز (باراك اوباما) اخيراً بكرسي الرئاسة.. تجسيداً لانتصار الانسان الامريكي المستنير على ثقافة الفصل العنصري المقيته التي عانى منها كثيراً وطويلاً..

@@ وسواء كانت دموع (جاكسون) تعبيراً عن فرحة الانتصار لطائفة سود امريكا..او كانت لسبب سعادته بانتصار العدالة والمساواة في هذا العصر.. او كانت بدواعي الحزن على عدم نجاح تجربته الانتخابية ذات يوم للوصول الى البيت الابيض.. لقهر ثقافة التمييز العنصري السائدة آنذاك لطموحاته وتهميشها لمكانته طوال هذا الزمان.. الا ان (جيسي) قد اطلق العنان (هذه المرة) لدموعه احتفاء بهذا المنجز التاريخي.. ليس فقط لسود امريكا.. وإنما لكل السود وكل المضطهدين في هذا العالم بدواعٍ عنصرية متخلفة..

@@ والذين يعرفون (جاكسون) ويتابعون جهوده في خدمة الحريات وإعلاء شأن حقوق الانسان يدركون سبب بكائه.. وتأثره.. وسعادته في آن معا..

@@ فقد حانت اللحظة التي كان يتمناها طوال حياته..

@@ واصبح اليوم بمثابة رمز للدفاع عن الحريات الحقيقية..وللمساواة بين جميع الأمريكيين..

@@ وعلينا ان ننتظر لنرى كيف يبزغ في مساء العلاقات العربية - الامريكية.. نجم جديد.. ورمز تاريخي عظيم.. يمسح صورة ذاك الانسان العربي الذي ساوته اللوحة بالكلاب.. ولاسيما بعد ان اسقط مجيء اوباما الى الرئاسة ذاك التصنيف لسود امريكا في قائمة (المنبوذين).. عسى.. ولعل..

@@@

ضمير مستتر:

@@(الحرية.. ليست منحة.. يهبها الأقوياء للضعفاء).