• نستقبل هذه الأيام اليوم الوطني لبلادنا "المملكة العربية السعودية"، وفي هذا اليوم بل وفي كل الأيام يجدر بنا أن نتذكر الجهود التي بذلت من مؤسس هذا الكيان الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله ومن جاء بعده من أبنائه الذين خلفوه في استكمال بناء هذا الكيان الكبير، الذي أصبح مثلا رائعا للوحدة الوطنية ولبناء المجتمعات من أجل تكوين مظلة وارفة، وصرح سام لوطن يحقق الحياة الكريمة لأبنائه، ويسهم في خدمة الإنسانية، كما ينبغي ألا ننسى جهود المخلصين من أبناء الوطن الذين ساهموا في ظل قيادته لتعزيز هذه المسيرة إيماناً بما للوطن من حق على أبنائه لمساندة التوجهات الخيرة، والسياسات الحكيمة، لتظل خيمة الوطن وارفة تظلل أبناءه بالأمن والاستقرار والكرامة، ولينمو في رحابها شجر الخير والعطاء.

    اليوم الوطني مناسبة نستذكر فيها واجباتنا نحوه، ونذكر أبناءنا بأمجاده وواجبهم نحو المحافظة على هذه الوحدة، والبذل والعطاء من أجل استمرار حياة كريمة يفتقدها كثير من المجتمعات. وإذا كان الآباء والأجداد في ظل - قيادتهم - ساندوا هذه المسيرة وبنوا لنا هذه المظلة الوارفة فإن مسؤوليتنا المحافظة عليها وتعزيزها بما يمكنها من الاستمرار في عطائها وتجنيبها القلاقل التي - وكما نرى في مجتمعات أخرى - أتت على الأخضر واليابس وأحالتها إلى أشلاء. حفظ الله بلادنا وأيد قيادتها بنصره، وجنبها كل سوء، لتبقى على ما نتمنى.

    هذه العبارة - نتمنى - تذكرني ببيت من الشعر يستحضر في كل مناسبة وطنية: نحمد الله جت على ما تمنَّى، أو: على ما نتمنّى، أو: على ما اتمنى. لا أدري ماذا يقصد الشاعر، فهذا النوع من الشعر الشعبي، الشعبي انتماء، والشعبي وطنية أدب شفهي، ولكن وقع العبارة يلهمنا المعنى الرفيع الذي يستهدفه الشاعر الرائع عبد الرحمن بن سعد الصفيان رحمه الله، فهو ابن العاصمة الأولى للمملكة: "الدرعية" وابن المسيرة الكريمة التي واكبها منذ نشأة أظفاره مجاهداً بالروح والكلمة، فقل أن تقام مناسبة وطنية دون أن تستهل بحمد الله أنها جت على ماتمنى، تلك الأبيات الاستهلالية لعرضة حربية:

نحمد الله جت على ما تمنَّى

من ولي العرش جزل الوهايب

خبّر اللي طامعٍ في وطنا

دونها نثنى إلي جا الطلايب

يا هبيل الراى وين انت وانا

تحسب ان الحرب نهب القرايب

ولكي نعرف من هو شاعر "نحمد الله جت على ما تَمنّى" التي تردد في كل مناسبة وطنية، بل وعند تحقيق أمل ذاتي. إنه الشاعر المبدع عبد الرحمن الصفيان من أبناء الدرعية، ولد عام 1337ه وتوفي عام 1412ه، شارك في الحملات التأسيسية للمملكة منذ أن كان صبياً، وتابع وطنياته عملياً وشعرياً، لقد كنت جاراً له واستمعت منه إلى قصائد كثيرة في شتى فنون الشعر، وأثارني ما يتمتع به من حسن الخلق والكرم فقد كان رحمه الله رجلاً مضيافاً وكريماً يجود بالمال والجاه في سبيل مساعدة الآخرين. ولقد كان ضمن وفد من أعيان الدرعية برئاسة رئيس اللجنة الأهلية في الدرعية الشيخ عبد الله بن خميس ذهبنا إلى منطقة الجوف لتبادل الزيارات بين اللجان الأهلية للتنمية الاجتماعية، وكانت من أمتع الرحلات لما أضفياه الشيخ ابن خميس والشاعر الصفيان على الرحلة من آدابهما وشعرهما، وكم تمنيت أن أحظى بشيء من شعر ابن صفيان رحمه الله إلا أن ظروف الحياة ومشاغلها وإرجاء ذلك من حين لآخر حال دون ذلك، حتى وقع نظري على مطبوعة توجت بصورة الشاعر وعنوان "ديوان نحمد الله" من إعداد وتقديم محمد بن عبد الرحمن بن سعد الصفيان فسرني ذلك، فاقتنيت الكتاب واستمتعت بما فيه من قصائد وأخبار عن الشاعر، وكان عملاً رائعاً من الابن البار بأبيه وبأصدقائه الذين بلا ريب كانوا يتطلعون لجميع قصائد الشاعر ليطلع عليها المهتمون بتأريخ المملكة وجهود أبنائها البررة من أمثال ابن صفيان.

وبما أن ما يكتب في الصحف عن مثل هذا الإبداع لا يغني عن الاطلاع على مصادر هذه الكتابة فقد انتهزت هذه المناسبة لإلقاء لمحات على الديوان، وبث إشارات لعشاق هذا الشعر للفت انتباههم لصدور ديوان ابن صفيان، ولقد أعجبني ذكاء المعد وحسن اختياره للعنوان "نحمد الله" هذه العبارة ذات المعاني العميقة، والأبعاد النبيلة.

ومسيرة الشعر الوطني عند ابن صفيان بدأت بقصيدة ترحيبية بالملك المؤسس رحمه الله منها:

سلام ياحر على العالم ظهر

لي طار تاقع له جميع احرارها

من ماكره حر تنهّض واشتهر

ثم اصطفق في نجد وامّن دارها

عبدالعزيز اللي على العوجا ظهر

بالدين والدنيا وذبح اشرارها

وهي قصيدة جميلة صور فيها الشاعر عزيمة الملك المؤسس، وقوة ارادته وايمانه بالله ونصرة دينه، ونبل مقاصده، وقد تحقق له ما أراد وما كان ينتظره هذا الوطن من مصير آمن حافل بمظاهر الحياة الكريمة ومعانيها:

أطلق هجار السيف لا تدرا الحظر

وبشية المولى تحكم اقطارها

هذا ما توقع الشاعر وهو يخاطب الملك بأن يشهر السيف في وجه الظلم والفساد، لا يخشى في الحق لوم لائم، ولن يثنيه خطر دون أهدافه النبيلة، وستكون مشيئة الله ونصره إلى جانب من كان سعيه في الصلاح وقد تحقق للملك الصالح ذلك فحكم أقطار دولة واسعة كانت تتناهبها الأهواء والأطماع فعادت آمنة مطمئنة يعمها الخير والرخاء.

ويوم أن تحققت الوحدة الوطنية عام 1351ه وكان الشاعر في صباه لم يتردد أن يشارك في أول يوم وطني يحتفل فيه بالوحدة الوطنية كان ذلك يوم الخميس 21جمادى الأولى 1351ه الموافق 22سبتمبر 1932م فألقى قصيدة منها:

يا المملكة فوزي عسى يومك سعيد

الحمد للي زاد نورك ذا بنور

يوم ان ابو تركي طلع شبحه بعيد

تذكر الهدات في هاك العصور

من قام بالتوحيد حناله عضيد

ومن خالف الملة نعشيه الطيور

أبيات رائعة من فتى شاعر لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، ولكنها المناسبة الفريدة والهمة السامية، تشعل في المبدع الملهم مشاعل الإلهام وتعبر بصدق وإيمان عن مشاعر الشاعر الوطني الوفي المخلص وهذه من صفات ابن صفيان.

واستمر الشاعر مواكباً للمناسبات الوطنية مشيداً ومثيراً للهمم طوال حياته، تدوي ساحات العرضات الوطنية بأشعاره وإبداعه، وما أكثر مناسبات الخير في ظل حكومة رشيدة لها في كل يوم مفخرة بإشاعة عمل وطني لرفعة الوطن وخير أبنائه.

وقال الشاعر قصائد في جميع المناسبات الوطنية القى قصائد حربية في الملك سعود والملك فيصل والملك فهد.

هذي لمحة عن وطنيات الشاعر بمناسبة اليوم الوطني، والديوان يتألف من مائتي صفحة من القطع الكبير وفي قراءته متعة كبيرة.

دامت أيام الوطن سعيدة، وحفظ الله قادته ووفقهم لما فيه الخير وسدد خطاهم، وألهمنا جميعاً حب الوطن وحب خدمته، ورحم الله المؤسس ومن خلفه من أبنائه الذين كانوا أبناء بررة بوطنهم، رحماء بأبنائه، وأيد الله بتوفيقه الملك الأمين عبد الله بن عبد العزيز الذي تسلم المسيرة وأشقائه ليواصلوا مسيرة التنمية والخير والمجد. ورحم الله الشاعر المبدع عبد الرحمن الصفيان.