الحرية لا تتجزأ، ولا تُعطى، هكذا يقول القانونيون وفلاسفة الأخلاق، غير أن التطبيق العملي كان أكبر الحواجز، وعالمنا الإسلامي قيّد الحرية ووضعها على لائحة الممنوعات رغم مقولة واحد من أعظم البشر عمرالفاروق عندما قال كلمته الشهيرة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" والمناسبة هنا عودة علماء الإسلام إلى وضع الخلافات هدفاً دينياً بغطاء قومي أو سياسي، أو مذهبي، والمشكل هنا أن فتاوى الماضي تُقرأ في محيط صغير ولا تنتقل إلى شرائح المجتمع شبه الأمي في علوم الفقه، لكنها في وقتنا الحاضر، وبالوسائط الحديثة أصبحت تنتشر إلى كل الفئات، ويطبعها كل صاحب مذهب أو فئة أو طائفة بمدلول خاص يحارب غيره وفق أهداف تتعارض مع جوهر الدين الإسلامي ووضوحه، وهنا كانت الخطورة في مجتمع مسلم تسيّسه المفاهيم لا حقائق التاريخ ومنطق اللحظة الراهنة، حتى إن المؤثر صارأقوى من طروحات الأحزاب ومنظمات العمل، وكل التجمعات والهيئات التي تتجه إلى قيم ليست أصيلة، وإنما مولّدة، أو مستحدثة..

لنأخذ الصراعات الإسلامية، وهي حقيقة ثابتة وجدلياتها مستمرة من عدة قرون، ومع ذلك لازال يحكمنا الماضي ليس المقدّس والعظيم، وإنما الاجتهادات التي وصلت إلى الحروب، والتي مع توالي الأزمنة جاء من يدعي امتلاكه الحقيقة المطلقة، بينما الحقيقة نسبية إذا ما خضعت للتحليل والمنطق، ومن هذا المنظور نأتي على الحريات التي تجيز لفئات محدودة إطلاق الأقوال وتحديد الأفعال التي تتحول إلى قاعدة عامة يلتزم بها كل الناس حتى لو لم تخضع لشريعة ومنطق، ومثل هذه التجربة عشناها مع تاريخ امتد لنصف قرن سلب وعينَا خلاله العسكرُ والمؤدلجون، ومن لازالوا يؤممون وسائل الوعي المختلفة باسم صيانة الأمن والعدالة الاجتماعية، وحق الطبقات المسحوقة، والتي لاتزال على حالها..

جاء الإسلام بسيطاً بلا عُقَد، وانتشر بالتسامح أكثر من الفتوحات وكانت تعاليمه وسننه هي التي قادت شعوب حضارات مختلفة لامتثاله واعتماده أسلوب حياة وشريعة، لكننا في العقد الأول من هذا القرن لازلنا نطرح ونستعيد الخلافات التاريخية في توسيع دوائر الخلاف بين السنّة والشيعة، والعرب وبقية الأعراق، ونجد أن أبسط وسائل اللقاء أن نوجز خلافاتنا، ونصل إلى عَقءد يزيل آثار التاريخ ثم لنصل إلى العوامل المشتركة الأكثر ترابطاً في قواسمنا العامة والخاصة، ولنفصل في هذه القضايا بمبدأ الحرية التي تتيح للجميع، وخاصة علماء الإسلام الاتفاق على جعل العقيدة هدفاً واستراتيجية دون تنازع، ثم لنقدم لمجتمعاتنا ما يضعها على الطريق السوي دون إخلال بالثوابت، أما أن ننطلق من تفاسير متعارضة ونكرسها كمذاهب وطوائف ونصل بها إلى حافة الهاوية بحيث يتحول العداء بين المسلمين إلى ما هو أخطر من العداء الخارجي، فإننا بالفعل نذهب بحياتنا ومستقبلنا إلى الجاهلية الحديثة، وهي مشكلة لا تحتاج فقط للحوار، وإنما الوصول به إلى التطبيق، طالما نتجه إلى إله واحد ونؤمن بنبيّ واحد وقِبلة واحدة..

أما أن نكون بلا هدف ولا رسالة إلا تمزيق جبهتنا العريضة والتي تنذر بحروب أفكار قد تصل إلى حروب جيوش، فإن العالم لن يخسر شيئاً، بل سينظر لنا أننا أمة لا تتفق، وإن اتفقت فلن تتصالح وتتعايش..