وفي ظل التاريخ السعودي شهدت دُومة الجندل غارة عليها من قِبَل جيش الدولة السعودية الأولى في عام (1206ه) بقيادة أمير جبل شمر في ذلك الوقت محمد بن عبدالمحسن بن علي آل علي بقصد ضم دُومة الجندل، غير أن هذه الحملة لم تتمكن من تحقيق مطالبها.

ولما لم تحقق الحملة الأولى أهدافها المنشودة فإن القيادة السعودية قررت إعادة الكرَّة، وذلك عن طريق إرسال حملة أخرى في عام (1208ه) بقيادة محمد بن معيقل، وفعلاً تمكنت الدولة السعودية من إدخال دُومة الجندل وسكانها البادية والحاضرة إلى حكمها.

وبسقوط الدولة السعودية الأولى سنة (1233ه) عادت دُومة الجندل إلى صراعاتها السابقة حتى سنة (1243ه) وهي السنة التي دخلت فيها دُومة الجندل بقراها وهجرها إلى حكم الدولة السعودية الثانية في عهد الإمام تركي بن عبدالله رحمه الله، واستمرت على ذلك إلى مابعد وفاة الإمام فيصل بن تركي رحمه الله سنة (1282ه)، حيث بدأت الصراعات الأهلية بين أبنائه، فكان نهايتها سقوط الدولة السعودية الثانية سنة (1309ه) على يد ابن رشيد حاكم جبل شمر في ذلك الوقت، فعادت دُومة الجندل إلى تلك الاضطرابات السابقة والصراع الرشيدي الشعلاني حتى سنة (1341ه) حين دخلت دُومة الجندل بمدنها وقراها وهجرها في طاعة الملك عبدالعزيز رحمه الله، عدا منطقة وادي السرحان الذي كان - في ذلك الوقت - منفصلاً عن نفوذ دُومة الجندل، وذلك عندما استقل به الشعلان في صراعاتهم مع آل رشيد، وجعلوا من قرية كاف مركزاً لحكمهم.

وكان أول أمير تسنم إمارة منطقة الجوف هو الأمير عساف الحسين حتى سنة 1343ه، ثم ابن عقيِّل من بعده حتى سنة 1345ه، فالأمير تركي السديري حتى نهاية سنة 1346ه، حيث جاء بعده ابن سعيد لمدة سنة، فالأمير إبراهيم النشمي من شهر ذي الحجة 1348ه حتى رمضان 1349ه، ثم جاء الأمير تركي السديري للمرة الثانية، واستلم حتى سنة 1351ه (وفي عهده سنة (1351ه) تم انتقال مقرَّ الإمارة من دُومة الجندل إلى مدينة سكاكا لأسباب إدارية بالدرجة الأولى. وبذلك تحولت دُومة الجندل من مركز القيادة إلى مركز التبعيَّة في المنطقة، ولكنها رغم كل هذا لاتزال تحتفظ بعمقها التاريخي ودورها الريادي الذي سجله لها التاريخ بكل حقبه، فقد أدت دوراً بارزاً في هذه المنطقة، ولفترة طويلة)، ثم جاء بعده أخوه الأمير عبدالعزيز السديري رحمه الله من شهر ذي الحجة سنة 1352ه حتى الخامس عشر من محرم 1357ه، حيث جاء الأمير عبدالرحمن السديري رحمه الله، ثم ابنه الأمير سلطان السديري، فصاحب السمو الملكي الأمير عبدالإله بن عبدالعزيز آل سعود يحفظه الله، الذي تعين في الثالث عشر من شهر جمادى الآخرة 1419ه، فالأمير الحالي صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن بدر بن عبدالعزيز الذي لم يألُ جهداً في خدمة المنطقة وأهلها، أعانه الله ومتعه بالصحة والعافية.

ودُومة الجندل هي اليوم احدى محافظات منطقة الجوف في شمالي المملكة العربية السعودية، وتقع بقرب الدرجة 39/49طولاً شرقياً و 29/52عرضاً شمالياً.

وحسب نظام المناطق في المملكة العربية السعودية فإن منطقة الجوف احدى مناطق المملكة العربية السعودية، وتتكون من مدينة سكاكا مقر الإمارة والعاصمة الإدارية للمنطقة، ومن محافظة القريات فئة (أ)، ومحافظة دُومة الجندل فئة (ب)، ومن حوالي مئتي مركز وهجرة.

وتشتهر دُومة الجندل بكثرة النخيل، وإنتاج التمر بأنواع مختلفة، وعذوبة المياه، وكثرة الآثار فيها.

ومناخها بصفة عامة صحراوي قاري شديد البرودة شتاءً وحار جاف صيفاً.

ثانياً: القُريَّات:

القُريَّات: جمع قريَّة، والقُريَّة: تصغير قرية. وهو اسم جامع لقُريَّات وادي السرحان التالية: (إثرة، كاف، منوه، قراقر).

ونظراً لما تميزت به هذه المنطقة من موقع حيوي على الحدود الأردنية العراقية، ولقربها من سوريا؛ فإن أحداثها تتأثر بأحداث تلك الدول.

والحديث عنها يعني الحديث عن وادي السرحان بالدرجة الأولى، وللحديث عن تاريخ الوادي نقول:

كانت المنطقة عموماً تعرف بمملكة قيدار، ثم أصبح الوادي في العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام يعرف ب (وادي الذئاب)، حيث كان أول ذكر لهذا المسمى في شعر عدي بن الرقاع العاملي - من عاملة كلب - يتوجد فيه على حبيبته الكلبية البعيدة عنه، والتي طال بعده عنها قائلاً:

طوت طلتي إلى أرض قومي

وشجاها تقلبي واغتراب

وتمنيت أن يكونوا

بالمعيين أو بوادي الذئاب

والمقصود بالمعيين هنا هو (معا الجوف)، ذلك السهل الواسع الذي يقع بين الأضارع والنفود، وفي ذلك دليل واضح على أن المقصود بوادي الذئاب هو وادي السرحان.

ثم في عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان، الذي حكم في الفترة من (65-86ه) اختصمت بنو القين مع بني كلب على هذا المورد (قراقر) كل يدعيه لنفسه، ورفع الأمر إلى الخليفة عبدالملك بن مروان، الذي حكم بأنه من موارد بني كلب، مستشهداً ببيت النابغة الذبياني القائل:

تظل الإماء يبتدرن قديحها

كما ابتدرت كلب مياه قراقر

وفي ذلك دلالة واضحة على جواز استخدام القاضي للنواحي التاريخية في الشعر كدليل قاطع للحكم، وكان اهتمام الدولة الأموية ( 41-132ه) بالمنطقة، يعود لأسباب أهمها:

1- وجود أصهارهم وأخوالهم في هذه المنطقة، وهم بنو كلب بن وبرة.

2- كان لهم قصور ومصائف في هذه المنطقة ينزلونها وقت الصيد في الربيع.

وعندما جاء العباسيون للمنطقة سنة 132ه، كانت قبيلة كلب (أهل المنطقة) من القبائل التي اضطهدها بنو العباس؛ وذلك لعلاقتها الوطيدة بالدولة الأموية.

ومن هنا بدأ التهميش للمنطقة، ودخلت في شبه ظلام دامس من العصور التاريخية.

وفي سنة 656ه زحف المغول على بغداد وأسقطوا الخلافة العباسية، ثم زحفوا على الشام، وسيطروا على الوادي بأكمله، فهرع المماليك من مصر يريدون صد التيار المغولي، وفعلا نجحوا في ذلك سنة 658ه، في المعركة الشهيرة بعين جالوت، وكان الاتفاق بين المماليك والمغول على أن تبقى مصر وشمال بلاد الشام للمماليك، وتكون العراق للمغول، في حين تكون المنطقة الواقعة شمال جبلي طيء منطقة حياد بينهما.

وتفيد المخطوطات التي اطلعت عليها وتؤرخ لأحداث القرن السابع الهجري أن قبائل المنطقة كانت لا تسمح للسفارات المغولية بالعبور من خلال أراضيها حتى تستأذن الخليفة المملوكي الظاهر بيبرس في ذلك.

فكانت قبائل الوادي ترسل أحد أبنائها لأخذ الإذن على ذلك، مع احتجازها للسفارة المغولية.

عموماً بعد القرن التاسع الهجري أطلق على الوادي مسمى وادي الأزرق، لأنه يبدأ به شمالاً، ثم وادي النعيم، لكثرة خيراته، ثم وادي السرحان الذي لايزال يعرف به حالياً.

وقد وجدت أن شيخنا علامة الجزيرة حمد الجاسر رحمه الله يقول بأن هذا الوادي كان يعرف ب (وادي قراقر)، وهو مسمى لم أجد له ما يؤيده في المصادر التي اطلعت عليها، فإن صح ذلك فهو من باب تسمية الكل بالجزء، وإن كنت لا أميل لصحة تلك التسمية.

ولم يدخل وادي السرحان في حكم الملك عبدالعزيز إلا في الخامس من شهر ربيع الآخر 1344ه/ 2نوفمبر 1925م، لأسباب سياسية تتعلق بمشكلات ترسيم الحدود مع حكومة شرق الأردن.

فبعد انعقاد مؤتمر الكويت الثاني سنة 1343ه/1924م والذي حضره مندوب عن سلطنة نجد ومندوب عن إمارة شرق الأردن، طلب مندوب إمارة شرق الأردن من مندوب سلطنة نجد: أن تكون الجوف ووادي السرحان منطقة حياد بينهما، فرفض مندوب نجد ذلك، مما أدى إلى فشل مؤتمر الكويت فشلاً تاماً. وقام الشريف عبدالله بن الحسين (ت 1370ه) بإرسال قوة مسلحة إلى وادي السرحان، قامت باحتلاله، وتمكنت من دخول عاصمته (كاف)، فتدخلت الحكومة البريطانية لحل المشكلة، وأقنع المستر (تشرشل) الشريف عبدالله بن الحسين بترك هذه المنطقة لأحقية الملك عبدالعزيز بها مقابل المناداة به أميراً على شرق الأردن.

وأرسلت الخارجية البريطانية إلى المعتمد البريطاني في جدة صورة من تعليماتها والفكرة العامة للتسوية، والأمور المراد الخروج بها، وفي مقدمتها: (أن يتخلى عبدالله بن الحسين عن كاف ووادي السرحان مقابل حصوله على العقبة).

وفي هذا السبيل - أيضاً - قام المندوب البريطاني السير جلبرت كلايتون بزيارة للملك عبدالعزيز في الحجاز سنة 1344ه/1925م وبحث معه مسألة الحدود، وتمخض عن ذلك توقيع اتفاقية حدَّة الموقعة في الخامس من شهر ربيع الثاني 1344ه/ 2نوفمبر 1925م، وبناءً على ذلك، فإن الملك عبدالعزيز رحمه الله قام في اليوم نفسه، الذي تم فيه توقيع اتفاقية حدَّة، بتعين علي بن بطاح أميراً له على منطقة القريات ووادي السرحان.

وعلى هذا الأساس دخلت هذه المنطقة في حكم الملك عبدالعزيز رحمه الله تعالى.

وكان لمنطقة القريات أثر مهم ضمن جهود الملك عبدالعزيز لدعم القضية الفلسطينية، فحينما أصدر الملك عبدالعزيز أوامره إلى أمراء المناطق وشيوخ القبائل بتسجيل المتطوعين الراغبين بالاشتراك في حرب فلسطين سنة 1367ه/1947م، اجتمعت حشود المتطوعين في منطقة الجوف ومنطقة القريات، في شمالي المملكة العربية السعودية للعبور نحو فلسطين عبر الأردن وسوريا.

وللمنطقة - أيضاً - دور مهم ضمن جهود الملك عبدالعزيز لدعم الوطنيين السوريين ضد الاحتلال الفرنسي لبلادهم خلال الثورة السورية الكبرى، التي استمرت خلال الفترة (1344-1346ه/1925-1927م)، يتمثل في إيواء المنطقة لمجموعة من الدروز السوريين بقيادة سلطان باشا الأطرش، وذلك بموافقة من الملك عبدالعزيز.

وكما ذكرت: يعد الأمير علي بن بطاح أول أمير يعينه الملك عبدالعزيز على القريات سنة 1344ه، ولقد استمر حتى سنة 1347ه، ثم خلفه الأمير عبدالله بن حمدان مدة ثمانية أشهر، ثم جاء بعده الأمير عبدالله الحواسي (من أهل الرس) سنة 1349ه، وفي عهده كلف عبدالعزيز بن زيد بمفتشية الحدود بعد انضمام حالة عمار وحقل لإمارة المنطقة.

وفي سنة 1353ه تعين الأمير صالح ابن عبدالواحد على المنطقة حتى سنة 1354ه، ثم كلف ابن زيد بإمارة المنطقة إضافة لعمله السابق مفتشا للحدود حتى سنة 1357ه، عندما تولى الأمير عبدالعزيز السديري رحمه الله إمارة المنطقة ومفتشية الحدود معاً. وفي عهده انتقلت الإمارة من كاف إلى النبك (موقعها الحالي).

واستمر في الإمارة حتى سنة 1375ه، فخلفه ابنه الأمير عبدالله السديري حتى سنة 1385ه، ثم خلفه أخوه الأمير سلطان بن عبدالعزيز السديري، ثم جاء بعده ابن أخيه الأمير سلطان بن عبدالله السديري، الذي عاصر صدور نظام المناطق في المملكة سنة 1414ه، وتحولت القريات إلى محافظة تتبع إمارة منطقة الجوف.

وفي ظل تلك التطورات الحديثة والمتغيرات الإدارية، كلف الأستاذ محمد بن عبدالله الحواس رحمه الله محافظاً للقريات بالنيابة في عهد أمير منطقة الجوف الأمير سلطان بن عبدالرحمن السديري.

وفي 1419/6/13ه صدر مرسوم ملكي بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير عبدالاله بن عبدالعزيز أميرا على منطقة الجوف، ثم خلفه صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن بدر بن عبدالعزيز، فاستبشر الأهالي خيرا بمقدمه، لما يعرفون عن سموه الكريم من اخلاص وحب للعمل، وهم يعلقون عليه آمالا كبيرة للنهوض بالمنطقة وتوفير كافة الخدمات لها، واستدراك ما فاتها من مشاريع حيوية لتكون كغيرها من مناطق المملكة.

والقريات هي اليوم احدى محافظات منطقة الجوف في شمالي المملكة العربية السعودية، وتقع بقرب الدرجة 37/25طولاً شرقياً و 31/30عرضاً شمالياً. وحسب نظام المناطق في المملكة العربية السعودية فإن منطقة الجوف احدى مناطق المملكة العربية السعودية، وتتكون من مدينة سكاكا مقر الإمارة والعاصمة الإدارية للمنطقة، ومن محافظة القريات فئة (أ)، ومحافظة دُومة الجندل فئة (ب)، ومن حوالي مئتي مركز وهجرة.

وتشتهر بأشجار الزيتون، وبجودة زيتها الأصلي.

ومناخها بصفة عامة معتدل صيفاً مما يؤهلها لأن تكون منطقة جذب وسياحة.

هذه معلومات مركزة عن تاريخ منطقة الجوف ووادي السرحان، آمل أن أكون وفقت في عرضها.

والله الموفق وهو يهدي السبيل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.